الأحد، 23 ديسمبر، 2012

مواسم الهروب الابدية... الى متى؟


عبر كلكامش الجد الفعلي للعراقيين البحار والوديان والجبال في رحلة اسطورية، بل اول اسطورة في التاريخ البشري، بحثا عن الخلود لكنه عاد الى مملكته خائبا بعد ان اكلت الافعى عشبة الخلود التي حصل عليها بشق الروح والنفس، وكأن قدر ابناء هذا الاسطورة ان يكملوا دورة الزمن ويعودا للبحث عن الخلود ولكن هذه المرة، لا عبر عشبة ما، بل عن طريق العبور الى العالم الاخر، الى اوربا ليختبئوا هناك في معسكرات اللجوء الباردة حتى اذا حصلوا على وطن بديل واستوطنوا فيه، يكونوا قد وصلوا الى اعلى درجات النضال، النفي، النفي القسري عن بلادهم.
 بدأت مواسم هروب العراقيين من العراق منذ السبعينات، بدأت بالاسلاميين المعارضين لصدام ثم الحركة اليسارية العراقية بعد تصفيات ما عرف بالجبهة الوطنية، لتأتي الحرب العراقية الايرانية فتطحن الشباب في المعارك العبثية وتهرب العوائل في مواسم هجرة جديدة لتتسع في عقد التسعينات في سنوات العراق العجاف فيما يعرف بالحصار الاقتصادي الذي اسمن الرئيس وحاشيته وانهك كلكامش العراقي وعائلته، ليعبر من جديد بحارا ووديانا وجبالا تنتهي بمدن ضبابية غارقة بالثلج والذهول، وتستمر الهجرة، في الالفينات وما بعد تحريق العراق بهذا الحريق الكبير الذي لا نعرف متى ينتهي، هذا الحريق الذي اجبر مجموعة من الكلكاميشيين والكلكاميشيات مع اطفالهم لعبور البحر من تركيا باتجاه اليونان في مركب متداعي ليغقرقوا في غياهب البحر، اطفال ونساء ورجال خائفين لم يجدوا الامان في بلادهم فهربوا بالعيال الى الموت، تخيلت لحظات اكتشافهم لمركبهم وهو يغرق، ماذا فعلوا؟ ماذا قالوا؟ هل بكت النساء؟ هل بكى الاطفال؟ هل هرب القبطان وتركهم في رحمة امواج البحر التي لا ترحم؟ وعندما نزلوا البحر، وعاموا عليه، هل مسكوا ايادي بعض؟ هل احتضنت الام ابنتها الصغيرة ام تركتها تغرق امام عينيها وهي تحاول العوم لدقيقة اضافية اخرى من الحياة؟ يالهي اي مصيبة هذه؟ لم قدّر على العراقي ان تغلق بوجهه السفارات ابوابها بينما العراق بلد مباح لكل مخصي اجنبي وداعرة تدخل باسم المنظمات والاعلام؟ لم لا تتحرك وزارة الخارجية العراقية وتقطع علاقاتها الاقتصادية مع اي دولة في العالم لا تمنح العراقي سمة الدخول في مطاراتها ولنرى كيف سيكون احترام العراقي ساعتها؟
ان دول اوربا التي تتحدث بلغة حقوق الانسان تمارس مع العراقي اعتى الظلم بحقه، ففي قانون حقوق الانسان هنالك فقرة تمنح الانسان ايا كان، حق العيش في بلد واروبا القارة الكئيبة وقعت على هذا القانون فلماذا لا تطبقه على العراقي، هل كل عراقي هو صدام حسين؟ هل كل عراقي هو ارهابي؟ اوربا تمنح حق الاقامة لارهابيين اسلاميين يسرقون الطائرات ويضبرونها في العمارات العالية او يفجروا انفاق لندن ومدريد ولا تمنح هذا الحق لعوائل بريئة هاربة من العراق وما حصل له بمباركة امريكا واروبا، الم تكن امريكا داعمة لصدام حسين قبل غباءه بغزو الكويت، الم يكن جاك شيراك بل كل اوربا اصدقاء لصدام في عقد السبعينات والثماينيات، بل وحتى التسعينات، الم تساهم هذه المحبة بحريق العراق وهروب العراقيين منه؟ والحكام الجدد، الم تأتي بهم اميريكا ويبارك وجودهم الاتحاد الاوربي؟ العالم كله يتآمر على اكثر من ثلاثين مليون انسان لا ذنب لهم سوى كونهم ضحية حكام اغبياء تبارك غبائهم دول العالم اجمع لمصالح اقتصادية وسياسية.
مرة اخرى على وزارة الخارجية العراقية ان تضع صورة هذه الطفلة العراقية الحلوة، ام الجدايل، في مكتب الوزير، حتى تعامل الدول بالمثل وان تجعل سمة دخول العراق اصعب من سمة الشنكن كي نشعر ان لنا حكومة تفكر بنا وبهؤلاء الغرقى الذين راحوا ضحية للعراق.