الخميس، 13 أكتوبر، 2011

«أبو طبر» حامد المالكي



 
بقلم احمد هاشم
نقلا عن جريدة العالم



كان مسلسل أبو طبر من أكثر المسلسلات إثارة للاهتمام، لم أقل الأفضل او الأحسن (كي لا أدخل في أحكام معيارية). وهو قد اشترك مع غيره من المسلسلات في معالجة مسألة اسمها التاريخ، فمعظم المسلسلات العراقية هذا العام كانت تأريخية الى حد ما – فاتنة بغداد، وأيوب، إضافة الى ابو طبر وحتى الباب الشرقي على رغم حداثة حدثه.
المشكلة هنا حين يجتمع التاريخ مع تأرخة الشر.

 
بالطبع الكلام موجه هنا الى كاتب الحكاية والسيناريو حامد المالكي، فهو سمح لنفسه على نحو ما، أن يسجل تاريخ حكايته بقلم لم يعش زمن حكايته التاريخية على نحو مستوف. يعني ان الوثائق المتعلقة بالموضوع لم يفرج عنها لحد الان، كما ان عددا كبيرا من الشخصيات القانونية او السياسية التي عاصرت ذلك العصر لم تعد موجودة، في العراق – او- ولا في الحياة.
الاجدر من كل ذلك ان بطل المسلسل حامد المالكي لا يرتكب الشر فقط، وإنما يضفي المؤلف على فعلة بطله - او مجرمه- مشروعية، كما يضفي على جنايته قاموسا من التسويغات، ويتكرم عليه برومانسية فائضة القيمة.
في تاريخ الأدب لم يمتلك صاحب الجرم ذلك الايمان والثقة والاطمئنان وعدم الشعور بالذنب. راسكولينكوف في الجريمة والعقاب يعيش حمى وهذيان، على رغم اعتقاده أن العجوز التي قتلها تستحق الموت. اميل زولا في روايته تريز راكان جعل موت الزوج المكروه يتحول إلى كرها بين عشيقين أسهما في قتله. وثمة العشرات من الأمثلة في السينما أيضا وفي الدراما.
لن استبعد ان حامد المالكي سيناكف ويقول إن وودي آلن فعلها في فيلمه ضربة حظ، ولكن انظروا ما فعله في قلق بطله.
لا أنكر أن الجريمة في عالمنا الشرقي تحمل قيما أخرى تعفي المجرم من دفع ثمن الجرم وحتى الإعفاء من العقوبة. انظروا رجاء الى قانون العقوبات العراقي، الذي صدر في العام 1969، وهو ما زال ساري المفعول، اذ تنص المادة 41 منه على حق قتل المرأة التي جلبت العار لعائلها.
ولكن موضع اعتراضي على حامد وهنا أوجه الكلام له شخصيا: أعطيت ولاءك للقوي. وأنت تعلم من أين مصادر القوة في شرقنا الموبوء بالضعف الفردي. أعطيت الحجة يا حامد إلى كل مستبد. أعطيت الحجة والشرعية لكل باغ أفّاق. لم تنظر إلى الضحايا. بكاؤهم وقلة حيلتهم. لم تعط الضحية هوية. تركتها غائرة في دمها، وتركت بطلك سادرا في ضحكاته وقلة اكتراثه، وركزت كثيرا على ترسيم ملامح الجلاد مع مسوغاته. كما تركت ضحاياه من دون ملامح نتعاطف معها.
كنت مشغولا بقلة اكتراث تعيد تأهيل مجرمين لا يكترثون بأقدار من لا تكترث لهم. يعني: لم تسمع صرخات ضحايا بطلك المزعوم. تجاهلت كيف يكون الفقدان بالنسبة لأخ او أخت، أو أب أو أم. جعلت بطلك يبدو متمكنا شرسا جسورا، وله كل ما يشاء، ولم تشأ لضحاياه سوى بحر السلطة من خلفهم وطبر صاحبك من امامهم.
خضعت يا حامد الماكي( على رغم ملكاتك اللماحة) الى غواية الشر. جعلت مستنقع الشر يبدو حديقة. زققت في بطلك كل ما حفظته شخصيا من نيتشه والانسان السوبرمان. جعلت من المجرم سعيدا بجرمه، حتى ان كل تافه سيتخيل نفسه ابو طبر كي ينتصر على تفاهته. ما هذا يا حامد؟ هل الجريمة دائما ترضية استبدالية ازاء إجحاف حياتي ( والجملة الاخيرة وللأمانة محورة لجملة من فرويد). يقول من عرف أبو طبر( على وفق ما اطلعت عليه) انه كان ثريا، في حين انك حملته إرثا بروليتاريا. بعض يقول انه كان جزءا من الجهاز السلطوي، في حين تركته يثرثر عن مغامراته النسائية مع مدير شرطة بغداد الذي أسميته زهير الذي كان يستغرب من "دكايك" بطلك استغرابا طفوليا وكأنه يواجه ولأول مرة في حياته، مجرما محترفا! ما هذا يا رجل تكتب عن التاريخ بشخصيات خدجّ!
لم أجد السياسة في مسلسلك، ولم أجد التسييس لشخص بطلك إلا لماما، تسييس خجول يخجل من إقحام السياسة إلا على مضض. لم أفهم مطلقا إن كان أبو طبرك أداة في آلة السياسة، أو انه كان طبرا لتحقيق آلام- عذرا آمال- شخصيته.
استسهلت التعامل مع الشر، يا حامد المالكي. جعلته نوعا من السياحة التلفازية. نظرت إلى البطل- كم أكره هذه الكلمة لأنها تعني أن ثمة مهزوما، فلا بطولة من دون خاسرين- أقول نظرت نظرة خيبة من داخلك لما كنت ترتجيه - على وفق ما اعتقد – من بطل اسمه: بلادك.
بلادك انهزمت بسبب انتصار جلاديها. واحد جلاديها..انتصرت له. هذا ما كانت ترتجيه ياحامد؟ الحمد لله..

احمد الهاشم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق