السبت، 22 أكتوبر، 2011

"عمو حباب لا تقتلني"

                                                 
                                 اثر العزلة على الضمير

 بلقيس حميد حسن

اعتذر من المبدع حامد المالكي اذ استعير جملته الشهيرة بعنوان مقالتي هذه, والتي جاءت على لسان الطفل الضحية في مسلسل ابو طبر, قبل لحظة قتله, فلم انته بعد من كتابتي مقالي الموسوم" ابو طبر هلع واسرار لم تكتشف بعد", حتى صرخ الطفل البريء والمذبوح في احدى جرائم ابو طبر, وصار يدق على  ذاكرتي ويعاتبني مذكرا اياي بجملته الشهيرة وهو يواجه الرعب مرتجفا:
"عمو حباب لا تقتلني"

 
 صار يأتيني مذكرا اياي بكل اطفال العراق المذبوحين على مدى عقود طويلة, يذكرني بالأيتام, والمشردين على قارعة شوارع لا ترحم.
لقد استطاع كاتب المسلسل المبدع حامد المالكي, ان يدافع عن كل هؤلاء بجملة واحدة و بمشهد واحد, حيث اختزل كل شيء  في جملة "عمو حباب لا تقتلني" وماتبعها من افكار أبو طبر وهو يبرر قتل الطفل.
لقد أثار الكاتب عذابات كل أطفال العراق, جوعهم وخوفهم, أميتهم, وضياعهم, اضطرارهم للعمل مع من لا يرحم, حرماناتهم المهولة ومايترتب عليها من امراض نفسية واجتماعية, سقوطهم بمحذورات اجتماعية تشوه طفولتهم الناصعة وتنهي كل مايجب ان يكونوه, كجيل مستقبل نتمناه ونأمل به خيرا.
لقد وظف كاتب المسلسل ابداعه لصالح الانسان وحقوق الطفل التي لا يعرفها اطفال العراق في كل التواريخ قديمها وحديثها, فتح كل الأوجاع والقضايا حينما قرع على  لسان المبدع كاظم القريشي الأجراس في التنبيه لمعانات الأيتام وما اكثرهم في وطننا المنكوب, العراق بلد ملايين الايتام بلا منازع, والمسلسل ذكرنا بهم جميعا وباسرع طريقة, حينما اجابه السفاح بانك يجب ان تكون مع ماما وبابا حتى لايستغلك احد ولاتحتاج لاحد فتقع في مآس كثيرة , وهذه حالة الملايين من ايتام العراق.
 هنا يبارك الابداع حينما يبكينا الفنان كاظم القريشي في كل مرة يتذكر فيها "عمو حباب لاتقتلني" أجدني اخبيء في داخلي اضافات واضافات لمسلسل عرض حياتنا قبلا وبعدا, اليس القتل العشوائي والانفجارات وكواتم الصوت لازالت كما كان ابو طبر يعبث ببغداد ويستبيحها؟
اليس الفقر ودوافع السرقة موجودة الان في مجتمع اليوم؟
اليس وضع المراة في العراق الان لا يختلف عن زمن ابو طبر, زمن تلك السلطة المشبوهة التي لف الغموض والأسرار حقبتها التعسة حتى بعد رحيلها؟ الم تعود المرأة اليوم خائفة من ارتداء ماترغب؟  ليس لأن السلطة تصبغ بالدهان سيقان النساء اللواتي يرتدين القصير, انما قد تقتل الف قتلة وتستهجن من الجميع لو تجرأت على ماكانت تتجرأ عليه زمن ابو طبر. اليس هذا تذكير بما نحن فيه اليوم, فأين حرية النساء في العراق؟  واين نضال اكثر من نصف قرن من الزمن لمناضلات ضحين بانفسهن ودخلن السجون والمعتقلات كالراحلة نزيهة الدليمي, وسعاد خيري, وبشرى برتو, وزكية خليفة, والشهيدة عايدة ياسين, والشهيدة موناليزا أمين, والمناضلة بثينة الشريف.. وقائمة طويلة ضمت مئات الشهيدات والمعذبات الطامحات بحياة حضارية للمرأة العراقية .
وجدت نفسي لا استطيع إلا أن أعود لذات المسلسل الذي أراق امامنا دماء الأبرياء بسخاء ليعلن عن جريمة طويلة في العراق, ولنعترف بان حياة العراقيين فيلم رعب لا ينتهي..
الم يحول البعث العراق الى ملك لعائلة هوجاء وعصابة قتل؟ وهاهم اليوم يعودون بكل صلافة ليدافعوا عن البعث مدعين ان لا يد له في كل مناحاتنا؟
هاهم يمرحون ويسرحون في قلب النظام اليوم, بعد ان صرخ العالم في وجه كل من أتى على ذكر كلمة " اجتثاث البعث" واتهمه باللا انسانية والتعصب والتطرف والعدوانية , وجملة من الاتهامات التي لولاها لانحسر خطر فكر البعث اليوم واصبح من الماضي, لا ان يرفع اعضاءه رؤوسهم متبجحين بماض أسموه أفضل مع الأسف, بعد ان صدمنا الحاضر واحبطنا.
وهنا أحببت ان اوضح أهمية العزلة على ضمير المرء, فالعزلة تجعل الانسان يعود الى دواخله, الى جوهر روحه, الى حقيقة الحياة وحاجاتها, فالسجن الانفرادي  ليس به مسؤولية للسجين عن اي شيء من متطلبات الحياة, به فقر , وبه وحدة , وبه رؤية لحقيقة الانسان , اذ يبقى أمام ذاته وجسده الذي هو ليس اكثر من وعاء لفكره وطموحاته وكل احلامه. لكنه لا يقوى على أي شيء حينما يكون سجينا ومنعزلا, عندها يبدأ الزهد بالحياة يدب شيئا فشيئا وتتبين الروح, اي الفكر, أي الضمير, اي القاضي بالعدل والحق. حينها يبدأ المرء صراعه مع افعاله الماضية , ليجد ان الحياة لا تستحق ان يفعل بها جريمته التي فعلها. فيبكي ابو طبر, وهذا حسب اعتقادي هو اسقاط الكاتب حامد المالكي شخصيا وتعليله لضرورة العقاب , فمن أمن العقوبة أساء الأدب, وهذه المقولة تنعكس على حياة الناس ولكن المشكلة لدينا هي,  من يحدد الجريمة او الخطأ ليفرض العقوبة الصح او العلاج عليها؟  كيف تكون السجون مدرسة تأهيل كما هو غرضها وليس مكانا للانتقام والتعذيب وتعلم الجرائم, كيف نجعل المجرم يختلي بنفسه والزنانزين تعج بالمجرمين ليعيشوا سوية ويكون لديهم مجتمع صغير من اللااخلاق داخل السجن ليتعلم بعضهم اساليب بعض اكثر فتتحول السجون الى مدارس لتعلم الجريمة وليس الفضيلة وصقل النفس البشرية المخطئة..
هنا تكمن المسؤولية عن اكبر مشاكل المجتمع العراقي اليوم التي لابد للحكومة العراقية من وضع اليد عليها لننتهي من فلم الموت اليومي, ولنقضي على ابو طبر الذي لازال طليقا, يعبث بحيواتنا دونما قيود..
10-10-2011
www.balkishassan.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق