الأحد، 4 سبتمبر، 2011

حامد المالكي يرمي حجر صغير نحو أبو طبر

شبكة البصرة
بلال الهاشمي
أن مهنية الكاتب الحقيقي تظهر بوضوح عندما يضع لكل الأحداث التي يسردها تفسيراً منطقياً، وهذا شرط أساسي يطبق على جميع الكتابات وبالخصوص المؤلفات القصصية، فعندما لايجد القارئ أو المشاهد لعمل تمثيلي مبررات مقنعة تحبك القصة فهذا يعني أن الكاتب نجح في دفعه إلى دائرة الغموض وفشل في أنتشاله منها!!، وبذلك تصبح تلك القصة أو العمل التمثيلي عرضة للسخرية ويقارن بالأفلام الهندية (ليس طعناً بالسينما الهندية وأنما التشبيه جاء بسبب غياب المنطق في أغلب أفلامها).

المتابع للمهزلة المسماة (أبو طبر) يلاحظ أن المؤلف (حامد المالكي) نجح من خلال غياب المبررات المقنعة التي تحبك القصة أن يدفع المشاهد إلى دائرة الغموض دون أن ينتشله منها، كما أثبت بجدارة أنه مفلس كبير لايمتلك معلومات صادقة عن قضية أبو طبر أو بمعنى أدق أن التفاصيل الحقيقية المتوفرة عن القضية لاتخدم قضيته هو شخصياً، فهو يريد أن تظهر للناس صورة معينة تسيء لصدام حسين (رحمه الله)!!، وبما أنه عاجز عن أيجاد أي دليل (مباشر أو غير مباشر) يربط بين المجرم أبو طبر والرجل الثاني في الدولة (لأنه غير موجود بالأصل) لجأ إلى جعل الشكوك تساور شخصيات المسلسل ليتخذها برهان يقنع به الناس، مع العلم أن الشكوك هو من رسمها وليست حقيقية، وهذا هو الأفلاس بعينه!!، ومما لاشك فيه أن هذا الطرح (السخيف) لايلتفت لها أو يتقبلها إلا الساذج، فمن السهل جداً أن يلفت أنتباه الساذج لجهة ما بمجرد أن يرمي بذلك الأتجاه حجر صغير وحامد المالكي لم يكن يريد أن يجسد حقيقة أو يتناول واقعة وأنما أراد أن أن يرمي حجره باتجاه معين، ومن الملاحظ أنه تعمد أن يجعل الشكوك تساور مجموعة معينة، ضباط العلاقات العامة (المخابرات)، ضباط الشرطة، الدكتور صائب (طبيب رئيس الجمهورية)، مثقف يدعى (ساهر) وفتاة الليل المقربة من المسؤولين في الدولة، وجميع هذه الشخصيات هم موظفون في مؤسسات الدولة الأمنية أو على ارتباط بهم أو شخصيات تحمل ثقافة عالية، وهذه لعبة لمخاطبة عواطف المشاهد (الساذج) بجعل مستوى الشكوك محصور بطبقة مميزة حتى يكون للشكوك وزن يقربها من الحقيقة!!، ومن أجل أن يلفت أنتباه الساذج لما يرمي أليه أختتم (المهزلة) بحجر أخير لتكتمل جوانب القصة بفكرة سخيفة جداً "البعض شاهد أبو طبر في أوربا"!!، أليست هذه مهزلة!!، هل أصبح أبو طبر شخصية عامة معروفة الملامح ليتعرف عليها الناس!!، ومن هم هؤلاء الناس الذين شاهدوه!!، والأهم من هذا وذاك أين المصدر الذي أعتمد عليه حامد المالكي ليبهرنا بهذه المهزلة؟!، أما عن الغير معقول واللا منطقي في مهزلة أبو طبر فهي كثيرة ولهذا سنتطرق لبعضاً منها.

دخل العراق في مواجهات دولية بعد تأميم النفط وصلت إلى حدود الحصار الأقتصادي، فحدث نتيجة لذلك أزمات كبيرة على المستوى الخارجي والداخلي (مثل ندرة المواد الأولية والتموينية)، تلك الأزمات أثقلت كاهل الحكومة العراقية وزاد من الثقل ظهور سفاح مثل أبو طبر يهدد أمن المجتمع، ولهذا السبب كان الأعتقاد بأن المجرم أبو طبر مدعوم من جهة خارجية، وقد أستنفرت الحكومة جميع المؤسسات الأمنية والحزبية وشكلت لجان لمتابعة القضية بالإضافة إلى الأستعانة بخبراء جنائيين من خارج العراق، بإختصار أدرجت قضية أبو طبر على قائمة أولويات الحكومة العراقية وحازت على أهتمام أعلى المستويات، وهذه الحقيقة ذكرها حامد المالكي لأنه لايستطيع أن يقفز فوقها، والأن أدعوا الجميع أن يجد مبرر مناسب أو تفسير منطقي أو حجة مقنعة لقيام ضابط مخابرات برتبة صغيرة (نقيب) بأقناع ضابط أعلى منه برتبة أو رتبتين (حد أعلى) بأن يقدموا شخصاً أخراً (حرامي) على أنه أبو طبر!!، ما الذي سيجنيه الضابطان من فعلتهما!!، وكيف يغامران بهذا الشكل في قضية على هذه الأهمية يتابعها وزير الداخلية ونائب رئيس الجمهورية ويهتم لها رئيس الجمهورية شخصياً!!، وسأضرب مثلا، عندما حدثت فضيحة (إيران غيت) أدعى رونالد ريغان بأن ضابطا برتبة متوسطة (تقريباً برتبة مقدم) في وزارة الدفاع هو من كان يدير هذه اللعبة لصالح دعم متمردي الكونترا في نيكاراغوا!!، وفي حينها كتبت الصحف أن القضية أكبر من أن يلعبها ضابط صغير ليس له صالح فيها لامن قريب ولا من بعيد!!، ولحامد المالكي نقول، أين المبرر المقنع الذي يجعل ضابط برتبة نقيب يلعب هذه اللعبة الكبيرة؟!.

من المتناقضات التي لفتت الأنتباه أن حامد المالكي صور نظام حزب البعث بأنه ضد التعليم ويحارب المثقفين وأن أغلب الكوادر العلمية هاجرت من العراق في تلك الفترة!!، لكن الواقع يتصادم مع مايطرحه المؤلف، والدليل منجزات لها أثرها على المجتمع العراقي مثل محو الأمية، مجانية التعليم، البعثات الدراسية، بناء المؤسسات التعليمية وأنتشارها في عموم البلاد، مراكز البحوث العلمية... إلخ، كل هذه الأنجازات شهدت لها منظمات عالمية وقيّمتها بشهادات لا يمكن أهمالها، وخلال فترة عقدين أصبح العراق يمتلك جيشاً من العلماء بمختلف الأختصاصات، وقد أستغنت الجامعات العراقية عن الخبرات الأجنبية وأستبدلتهم بكوادر علمية عراقية كفوءة ألفت مناهج التدريس بعد أن كانت المصادر الأجنبية هي المعتمدة!!، والجدير بالذكر أن الجامعات العربية كانت تستعين بالخبرات العراقية، الأمارات، الكويت، الأردن، إلخ، وقد أهتم النظام الوطني في العراق بالتعليم وشجع على التقدم فيه حتى أن طلبة الدراسات العليا كانت الدولة تصرف لهم ثمن طباعة الرسالة وتدفع أجور أضافية للمشرفين، حتى بعد عقدين من تاريخ الأحداث التي يسردها (المسلسل) لمسنا الأهتمام الكبير بالجانب التعليمي والهيئة التدريسية، في زمن الحصار الأقتصادي مثلا كانت حصة كل تدريسي في الجامعة ثلاث بدلات رسمية كل عام تفصل على المقاس!!، أما الكفاءات العلمية التي يدعي حامد المالكي أنها هاجرت أو هربت من العراق فأن أدعاءه هذا ينسفه العدد المهول من الكفاءات العراقية التي عادت للوطن في السبعينات، وما يشهد بذلك أن الدولة منحتهم قطع أراضي وصرفت لهم دفعة مالية للبناء، ولازالت مناطقهم السكنية تحمل أسم (حي الكفاءات)، كما وزعت عليهم سيارات من نوع مارسدس كانت تعرف في معارض السيارات بأسم (كفاءات)، هل ينكر هذا أحد؟!، أذن حامد المالكي وضعنا في حيرة ولم يفسر لنا كيف أن حزب البعث كان ضد التعليم والتثقيف ولديه كل هذه الأنجازات والشواهد التي تفند ما يدعيه، فأما أن يكون كاذب ومحرف للحقائق أو أننا فهمنا كل تلك الأنجازات بالمقلوب!!.

الغير معقول شخصية الدكتور صائب، رغم أنه طبيب رئيس الجمهورية (البعثي) إلا أنه مختلف تماماً مع الحكومة، كما أنه يؤمن بنظرية المؤامرة إلى حدود مبالغ فيها حتى أنه أعتبر تأميم النفط مؤامرة على العراقيين (طبعاً حامد المالكي يريد أن يُفهم الناس أن تأميم النفط لعبة)!!، أما أولاده الدكتور صائب أحدهم شيوعي والأخر أسلامي وهم ناقمون على حزب البعث بشكل كبير، وشقيقه (وليد) ضابط مخابرات علاقته غير طيبة بمرؤسيه، السؤال الذي يطرح نفسه، هل تقرب حكومة في العالم طبيب عليه كل هذه المؤشرات وتضع حياة الرئيس بين يديه؟!، بمعنى أخر، هل يحدث في إيران مثلا أن يكون طبيب علي الخامنئي ضد نظام ولاية الفقيه وأن أولاده من أحزاب معادية للنظام الأسلامي؟!، في الحياة العامة عندما يشعر المواطن العادي بأن الطبيب يتعامل معه بتكبر ينفر منه، فكيف تقبل حكومة أن تتعامل مع شخص ينظر لها بأنها حكومة عصابات؟!، ولو فرضنا (جدلا) أن شخص عليه كل هذه المؤشرات أصبح طبيباً لرئيس الجمهورية فهذه نقطة تحسب لصالح الحكومة وحزب البعث، فلو قارنا الوضع بنفوذ الحزب الشيوعي أيام عبد الكريم قاسم سنجد أن من المستحيل أن يحصل أي قومي أو بعثي على فرصة عمل قريبة من رأس السلطة، وبعد الأحتلال الأمريكي للعراق وسيطرة حزب الدعوة العميل أصدروا قانون أجتثاث البعث!!.

من شخصيات مهزلة حامد المالكي (مثقف) يدعى ساهر من رواد مقهى شعبي، يتهم الحكومة بكل صغيرة وكبيرة، كل شيء مؤامرة على الشعب، حتى لو سقط نيزك في القطب الشمالي يتهم فيه حكومة حزب البعث، أعتقل بتهمة اثارة البلبلة ثم أخلي سبيله بعد ان تم تعذيبه، وبعد يومين توفي مسموماً!!، وهنا نبحث عن منطق جديد، أذا كان هذا الأسلوب تتبعه الدولة مع شخص يتكلم بصوت منخفض فلماذا لم تتبعه مع من يتكلم بصوت مرتفع، الحكومة العراقية أعتقلت الكثير من (الكلاب) من أمثال محمد باقر الصدر ومحمد باقر الحكيم وأفرجت عنهم دون أن تضع لهم سم في طعام أو شراب، فهل يعقل أن يكون (ساهر) أكثر خطراً منهم!!، أم أن الحكومة تخشى أن ينكشف أمر أغتيالها للصدر أو الحكيم ويثور الاتباع عليها ويسقطوها!!، الدولة عندما تريد شخص لاتخشى أحد، وعندما قدم الخميني المقبور الدليل الدامغ الذي يدين محمد باقر الصدر انزلت به القصاص العادل ولم يسمع صوت لاي تابع، الجميع وضعوا رؤوسهم في التراب كالنعام، فهل يفسر لنا صاحب مهزلة أبو طبر هذا التناقض؟!.

على أية حال لا أريد أن أطيل بسرد المتناقضات فهي كثيرة، وأريد أن أختتم بسؤال يوجه إلى (الفلته) حامد المالكي ومعه قناة البغدادية، بعد (أبو طبر) هل لديكم الشجاعة لأنتاج مسلسل (أبو درع)؟! سنرى أذا كان حامد المالكي يمتلك من الشجاعة ليرمي حجره بأتجاه حكومة القامة والزنجيل.
باحث في الشؤون الإيرانية والتاريخ الصفوي
3/أيلول/2011
شبكة البصرة
السبت 5 شوال 1432 / 3 أيلول 2011


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق