الجمعة، 2 سبتمبر، 2011

زراعة الخوف

 نقلا عن صحيفة المدى العراقية

بتاريخ : الأحد 28-08-2011 06:33 صباحا

حسين علي الحمداني
شخصية أبو طبر التي جسدها الفنان المبدع كاظم القريشي، شخصية بدأت غريبة  ومتناقضة للبعض، لكنها للبعض الآخر كانت تمثل مرحلة سياسية من المراحل  العديدة التي مر بها العراق بعد انقلاب 17 تموز 1968 .

وما توقفت عنده ليس في العمل الفني بل في رد الفعل لدى المتلقي العراقي الذي بدأ متعاطفاً لدرجة ما مع أبو طبر رغم أنه مجرم أرتكب جرائم عديدة في فترة زمنية قصيرة ما بين عامي 1973-1974 وفي مدينة بغداد فقط دون أن تصل جرائمه للمحافظات.


كنت في البداية أتوقع أن يكون المسلسل مجرد سرد لحوادث إجرامية ،لكنني وجدت بأن جانبا مهما منه كان يدور حول الصراع الخفي بين أركان النظام آنذاك، صراع كان واضحاً في أحداث هذا المسلسل وبرز حجم التقاطع الكبير بين رموز الحكم في الكثير من القضايا التي تتعلق بعملية بناء الدولة العراقية وفق إرادات بعيدة كل البعد عن مفهوم البناء الحقيقي للدولة بقدر ما كانت بناء مؤسسات تخضع لهذا الطرف أو ذاك ، خاصة وإن حزب البعث كان يركز كثيراً على بناء أجهزة أمنية أكثر من تركيزه على بناء دولة وتجسد ذلك حتى قبل عام 1968 من خلال سعيهم  وتكليفهم بين عامي 1964 و 1966 المقبور صدام حسين الذي كان في وقته عضواً شاباً في حزب البعث مسؤولية الجهاز الخاص لأمن الحزب والذي كان يسمى جهاز حنين ليأخذ دوره في المستقبل،وهذا الجهاز كان الذراع القوي في ما بعد لتنفيذ ما يصبو إليه هذا الحزب الدموي.وباعتقادي لو أتيحت لصُناع هذا العمل الفني مزيداً من الرؤية والوضوح وشيئا من الجرأة لتمكنوا من إنجاز عمل تاريخي كبير يجسد مرحلة مهمة من مراحل التاريخ العراقي المعاصر، والتي تتمثل بالقفز على السلطة واحتوائها بشكل كبير جداً من قبل المقبور صدام ومن معه من الذين وجهت إليهم أصابع الاتهام بأنهم يقفون وراء أبو طبر وغيره من الظواهر التي ملأت المشهد العراقي آنذاك،وقد وجدنا من يميل لترجيح هذه الفرضيات في الكثير من المشاهد،وهذه الرمزية في التهمة إنما أريد منها أن يعرف المشاهد العراقي طبيعة النظام السياسي آنذاك وكيفية إدارته أمور البلاد،وكيف يسخر كل الأشياء لمصالحه وتطلعاته بما فيها غير المشروعة والتي تمثلت في أحد جوانبها المهمة بزراعة الخوف لدى الناس.نعود لمسألة التعاطف التي نالها شخص أبو طبر عبر هذا المسلسل،وعلينا أن نقف وراء الأسباب التي دعت البعض للتعاطف معه ،سنجد بأن أغلبية كبيرة من أبناء الشعب العراقي وخاصة سكان بغداد الذين عايشوا أحداث المرحلة التي تناولها المسلسل ،كانوا على قناعة تامة بأن هذا الشخص ما هو إلا أداة من الأدوات التي استخدمت من قبل بعض رموز النظام لتسقيط الآخرين من جهة ومن جهة أهم تصفية حسابات قديمة مع شخصيات مالية وسياسية وعلمية وغيرها، خاصة وإن بعض عمليات هذا المجرم طالت معارضين سياسيين آنذاك.وهذا الاستنتاج الذي وصل إليه البعض هو الذي يقف وراء التعاطف الرمزي على اعتبار إن شخصية أبو طبر هي ضحية من ضحايا النظام .وشخصية كهذه وإن كانت فردية في عملها كما يتصور البعض، إلا إننا وعبر معايشتنا ما حدث في السنوات اللاحقة اكتشفنا بأن (أبو طبر) تحول لمؤسسة مرعبة حقاً ومنظمة بشكل كبير جداً يقودها رجال خبروا الجريمة وفنونها وتخرجوا من أرقى الأكاديميات في العالم ومارسوا رعبهم بشكل كبير جداً على المعارضين العراقيين بمختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية، والغريب في الأمر أنهم استخدموا الكثير من الأدوات التي كان يستخدمها أبو طبر لدرجة جعلت كل الذين يشككون بأن هذا المجرم هو صنيعة النظام  تترسخ لديهم هذه القناعة، خاصة وإن أحد أهم نتائج جرائم أبو طبر تمثلت بهجرة العقول العراقية والرموز الأخرى خارج البلاد في محاولة منها للنجاة بأقل الخسائر مما أتاح الفرصة لمجموعة وجناح من أجنحة الحكم في العراق آنذاك بأن تقفز لقمة السلطة في زمن قياسي جدا وحينها تناسى الجميع عمليات أبو طبر ولم يعد أحد يتذكره إلا من خلال ما شاهدناه عبر شاشة التلفاز مؤخراً .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق