السبت، 17 سبتمبر، 2011

أبو طبر: مسلسل يستعيد حياة السبعينيات والأفق المغلق


بتاريخ : السبت 17-09-2011 05:39 صباحا
نقلا عن صحيفة المدى العراقية

ناظم عودة
كانت السبعينيات، التي افتتحتْ بالتخطيط لعملية انقلابية بقيادة صالح السامرائيّ، لكنها كشفتْ من قبل مكتب العلاقات العامة الذي يقوده صدام حسين ومعاونه سعدون شاكر في ذلك الوقتْ، وأسفرت العملية عن إعدام 34 شخصاً، وبعد ذلك بسنة اغتيل في الكويت حردان التكريتي على أيدي رجال مكتب العلاقات العامة أيضاً، أقول كانت مرحلة حاسمة في تاريخ المجتمع العراقيّ سياسياً واجتماعياً، لأنها كانتْ مرحلة بحبوحة اقتصادية نفطية من جهة، وفقر يسحق معظم طبقات المجتمع من جهة أخرى.



 
 حرب في الشمال مع الكرد، وصراع في الشرق مع شاه إيران على زعامة الخليج، وفي الغرب والجنوب خلافات مع دول الخليج والأردن، وخلافات طاحنة مع سوريا بسبب النزاع على زعامة حزب البعث، وفي الداخل، ثمة تناحر بين الأطراف السياسية تمهيداً لصعود نجم صدام حسين، وتصفية الحزب الشيوعيّ، وصعود التيار الدينيّ متمثلاً بحزب الدعوة، والحزب الإسلاميّ. أما بنية السلطة نفسها، فكانت بنية قائمة على ممارسة أشد أنواع الاستبداد والقسوة بحقّ كل من يبدي امتعاضاً ومعارضة للنظام السياسيّ في ذلك الوقت. استثمرت السلطة الولاء الشخصيّ والعشائريّ بصرف النظر عن الكفاءة والمهنية في أجهزتها الأمنية. ففي السبعينيات تبدّى للجميع فشل النظام البعثيّ في تحقيق شعاراته في الوحدة والحرية والعدالة، وشغل نفسه في إثارة نزاعات داخلية وإقليمية. في هذا الجوّ المشحون بالتوتّر، ظهر أبو طبر، كظاهرة إجرامية فريدة تحاكي السلطة القائمة في وحشيتها وساديتها.حاول المؤلف "حامد المالكي" أنْ يستغل التزامن بين مدير الأمن العام في الحكومة العراقية في السبعينيات، ناظم كزار، وهو شخصية أدخلت الرعب الحقيقيّ في نفوس العراقيين في ذلك الوقت، وأول من استعمل التيزاب لإذابة أجساد خصوم الحكومة. وبين أبو طبر، المجرم الذي روّع سكان بغداد في تلك المرحلة أيضاً، وذاع صيته في عموم البلاد. إنّ هذا العمل الدراميّ الناجح، لم يركز على شخصية أبو طبر وحدها، لكنه حاول أن يصوّر بعضاً من أجواء بغداد في تلك المرحلة، وما رافقها من عادات وتقاليد. وأراد المؤلف أنْ يصور الجوّ الاجتماعيّ الخانق بفعل القمع والاستبداد البعثي، وخنق الحريات العامة. وكانت شخصية زهران مدير الأمن العام المقرّب من صدام حسين وأحد أقاربه، يمارس التنصت على عدد من الشخصيات، والمراقبة، وكتابة التقارير، وربط المنظمات الحزبية بجهاز الاستخبارات والأمن، من خلال مراقبة الناس والتجسس على حيواتهم الخاصة. وينبغي انْ نشير إلى أنّ ظاهرة أبو طبر ظهرتْ متزامنة مع نشاط مكتب العلاقات العامة الذي أسّسه صدام حسين وتولّى قيادته، وارتكب من خلاله أفظع جرائمه بحقّ خصومه السياسيين. ومع ذلك، فإنّ المؤلف أخفق في تصوير الصراع على زعامة الثقافة العراقية بين الشيوعيين والبعثيين والإسلاميين. وفي ظني، أنّ هذه كانت مناسبة لإضاءة تلك المرحلة من خلال الخوض في حركة الأفكار في تلك المرحلة باعتبارها بذرة الخلاف المحتدم الذي سوف يلقي بظلاله على الصراعات الأهلية العراقية اللاحقة.إن التفسيرات التي طرحها المؤلف قد اعتمدتْ على مرويات وتفسيرات الأشخاص الذين عاشوا في تلك المرحلة العصيبة، وهي تفسيرات تميل إلى أن أبو طبر هو مجرم حقيقي استُغلّ من قبل السلطة لإلهاء الناس عما يجري من قمع وصراع سياسيّ داخليّ، حاله حال المصارع العراقيّ العالميّ عدنان القيسيّ الذي استغلتْه السلطة إعلامياً في بداية السبعينيات عبر تنظيم نزالاته في ملعب الشعب الدوليّ أمام حشود جماهيرية تتجاوز الستين ألف متفرّج، وكانتْ تنتظر الفائز جائزة السلطة عبر شخص صالح مهدي عماش، وزير الداخلية حينئذٍ. وعلى الرغم من ذلك فإنّ المؤلف، لم يكتف بما روي وإنما أعمل مشرطه التحليليّ وسمح لخيالة في التزيّد والإضافة لكون هذه الشخصية قد أشبعتْ أسطرةً وإضافات في المخيال الشعبيّ. لقد بنى المؤلف حكاية عمله هذا باتخاذ أبو طبر مرآة عاكسة لمرحلة مشحونة بالألم والخوف والاستبداد، وفي بعض الأحيان أراد أنْ يخاطب القارئ العراقيّ الحالي بجعل أبو طبر شخصية حاضرة، ونموذجاً قابلاً للتكرار في التاريخ العراقيّ. وهذه هي أمثولة العمل في رأيي.وبالرغم من وجود هفوات في هذا العمل، تتعلق باللكنة العراقية التي أخفق الممثلون السوريون في تأديتها، وبطبيعة المكان العراقي الخاصة في الريازة والديكور، وكذلك لم يتطرّق المسلسل إلى جوّ الجاسوسية الذي انطلق متزامناً مع انقلاب 1968 كإعدام التاجر اليهوديّ البصريّ عزرا ناجي زلخا ورفاقه في عام 1969، وتوعد صدام والبكر بإنهاء الوجود التجسّسي على الأراضي العراقية، وما صاحب ذلك من شائعات وخوف شعبيّ كبير بسبب المحاكم الصورية، وعدم ثقة الناس في كلام الحكومة، وهو، في ظني قد خلق جواً من الرهبة الكبيرة التي رافقتْ ظاهرة أبو طبر، ولم يظهر المسلسل ذلك الصراع الأيديولوجيّ المحتدم في تلك المرحلة. ثمة مسألة كان يمكن تلافيها من قبل المخرج، وهي أنّ التفسيرات التي قدّمها أبو طبر على شكل اعترافات للعميد زهير، كان يمكن أنْ تكون تفسيرات تجري على لسان عدد من الصحفيين مثلاً أو أساتذة أكاديميين أو محللين سياسيين يكونون ضمن بنية العمل، لأنّ تلك التفسيرات والأفكار الفلسفية التي نطق بها أبو طبر كانت لا تتناسب مع شخصيته، وما عُرِفَ من قصته وإنما هي وجهة نظر المؤلف التي كان يمكن أنْ ينطق بها شخص آخر ممن أشرتُ إليهم سلفاً، ومع ذلك فإنّ العمل نجح في جذب المشاهدين إليه لاقترابه من العمل البوليسيّ، إنْ لم يكن عملاً بوليسياً خالصاً.لقد عبّر المؤلف عن وجهة نظره من خلال الطرح الفلسفيّ الذي حلّل به أبو طبر جرائمه وشخصيته والعديد من الأمور. وكان هذا عبر سلسلة حوارات مع العميد زهير خلف قضبان السجن. وعلى الرغم من أنّ المؤلف وضع هذه الأفكار على لسان أبو طبر لكنها كانت تجعل منه شخصية إشكالية تتناسب مع المبالغة في تفسير هذه الظاهرة في المخيال الشعبيّ العراقيّ. كان " فتاح" حسين عجاج: قد أدى دوره على نحو جميل محاكياً الشخصية البغدادية في ذلك الوقت بتسريحته ولهجته وحركاته. وكان نموذجاً للضياع والفقر مع زميله ميثم صالح " راهي"، أما النموذج البعثي في المسلسل الذي تمثل في شخصية " جمعة المطيرجي" حسن هادي والرفيق فوزي، فهو نموذج منقسم بين بعثي منحلّ من المبادئ الأخلاقية، وبعثي مازال يغلّب الأصول الاجتماعية والرأفة، فتعرّض للإقصاء من الحزب نفسه. وتلك إشارة إلى وجود عناصر شريفة غير مرغوب فيها في الحزب، تعرضتْ للإقصاء أو الإعدام.كاظم القريشي: كان بارعاً في تقمص شخصية أبو طبر وتقمّص انفعالاتها السيكولوجية، وقوتها الجسمانية المفرطة. وكان شخصية محوريّة يعتمد على أدائها وحوارها وتصرفاتها إضاءة الكثير من أجواء المسلسل وفكرته الأساسية. وقد حاكى كريم محسن بشكل جميل قسوة الأجهزة الأمنية في تلك المرحلة ونفاقها وغدرها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق