الاثنين، 12 سبتمبر، 2011

عنف (أبو طبر) حيوان وحشي مركب في مرحلة دولة العنف

يظل الكاتب حامد المالكي محاربا تلفزيونيا منتصرا ضمنيا في موكب المكافحين من اجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

 جاسم المطير
نقلا عن موقع الحوار المتمدن - العدد: 3484 - 2011 / 9 / 12
في البداية أقول أن مسلسل أبو طبر الذي أنتجته وبثته قناة البغدادية على امتداد أيام شهر رمضان الماضي يعتبر، من وجهة نظري، عملا تلفزيونيا يستحق الدراسة والجهد لفحص بيئته الدرامية، بقصد تنمية قدراتها ، خصوصا وأن لدينا في مخزون الفن العراقي قدرات هائلة من قوة عقلية وفنية( كتاب وممثلين وفنيين) اثبتوا، في فترة من أصعب ظروف حياتهم، أنهم قادرون على إدارة العملية الدرامية التلفزيونية على الوجه الصحيح المساهم في تنمية الملكات العقلية للمشاهدين العراقيين. أبصرتُ في هذا المسلسل إدانة بالغة النضج لظاهرة (العنف الفردي) في الواقع العراقي السياسي خلال سبعينات القرن الماضي ، رغم وجود عدد من نقاط الضعف والخلل والتعقيد ( الإخراج خصوصاً) خلقت بعض التليّف في العصب المركزي للمسلسل وأوجدت شبكة من الوصف التفصيلي لحالات (إرهابية) في عدد غير قليل من المشاهد ظلت زئبقية غير واضحة، كما كانت في وقت حدوثها، أظنها ناتجة من التسرع في تصويرها داخل سيناريو يقظ لكن عيونه ظهرت مختلجة في أثناء طريقة أخراجها ، التي كان من الممكن تلافي بعض نماذجها السلبية .
 

 


لكل (عمل فني) عمر خاص، حركة خاصة، محيط خاص، ودور اجتماعي خاص. ينطبق هذا الأمر على أي عمل فني مرئي، سينمائي أو تلفزيوني، حتى لو كانت أصوله واقعية حدثت في زمان ما، في مكان ما، قد تظهر آثاره بمحاولات كاتب روائي أو سيناريست أو مسرحي قدير ينقل حادثة ما من (حفرة) سرية ضيقة إلى (فضاء) تلفزيوني واسع في زمان الشاشة الفضائية. هكذا قضى السيناريست العراقي حامد المالكي في تحويل بعض ذكريات ومشاعر مضطرمة للناس العراقيين هزتهم بالروع في بداية سبعينات القرن الماضي ، من عذابات نفسية بئيسة جثمت على الشعب بشبح مخيف اسمه (أبو طبر) امتدت جرائمه بقتل الأبرياء في طول العاصمة ، بغداد، وعرضها. كان الكثير من الناس يعتقدون أن مصادر تلك العذابات منسابة بـ"ترتيب سري" محكم من "جهاز سري" في دولة حزب البعث الثانية. منذ ذلك الحين حتى اليوم بقي الكثير من الأصول الواقعية لتلك الجرائم مجهولا بسبب عدم توفر أرشيف قضائي آو تحقيق رسمي عادل عميق وشامل. ظلت تلك الأصول خاضعة للقيل والقال والتكهنات الخيالية والاستنتاجات غير العلمية. ربما تظل العقول العارفة بتفاصيل الجريمة مختفية لزمان طويل كما هو الحال في مقتل الكثير من القادة والملوك والخلفاء والرؤساء وغيرهم من ملايين الناس العاديين على مر التاريخ القديم والحديث.
لا ادري من أي نقطة ابدأ في مناقشة هذا المسلسل فهو جزء من مشروع ثقافي يتألق به قلم الكاتب حامد المالكي، منذ سنوات عدة ، في إطار اهتمامات قناة البغدادية بتلفزة بعض وقائع التاريخ العراقي رغم أنني وجدت في غالبية مسلسلاتها هنـّات أحيانا وسقطات، أحيانا أخرى، في التاريخ والجغرافيا، في الزمان والمكان، في القناعة والخبرة، في الثقافة والمعتقدات.
في إنتاج مسلسل ( أبو طبر) الرمضاني انطلقت الجهة المنتجة (قناة البغدادية) من مواصلة الاستجابة لاستخدام الدراما الرمضانية التي ترتبط بقضايا هامة من قضايا الماضي والحاضر بتأملٍ فيه تركيز شديد على جرائم فردية عرفت شعبيا باسم ( ابو طبر) تابعها الكاتب التلفزيوني حامد المالكي مجسدا إياها بسيناريو مواجهتها وفق رؤيته في إحدى صور الأنساق الفنية – الثقافية عن مفاهيم خطاب السلطة البعثية الحاكمة في العراق، عن آليات القمع البوليسي ، عن هيمنة الأشكال السرية في إدارة وتوجيه (الصراع المركزي) في عقول الناس وبين أعضاء المجتمع. كان هذا المسلسل يشعر المشاهد الحالي بأنه جزء من حالة (عنف) و(خوف) و(سياسة) اكبر منه بكثير، تماما مثلما كنا نحن جيل تلك الأيام السبعينية نشعر أن جرائم أبو طبر محاولة ديناميكية للتمهيد لبيئة سيئة التكييف تريد السلطة خلقها بالخوف من (العنف الفردي) المؤدي إلى تداعي الأفكار بردود فعل سلبية (جماعية) يتصور معها كل مواطن عراقي أنه سيكون ضحية أبو طبر في الليلة القادمة. نجح المسلسل إلى حد كبير في تفكيك الفرضيات والافتراضات بهذا الصدد من خلال الحوار بين إبطال المسلسل ومن خلال تلميح المجرم أبو طبر نفسه لمدير شرطة بغداد عن وجود علاقة له بنائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين وبالقيادي في جهاز القمع البعثي سعدون شاكر. هذه الديناميكية أوجدت شكلا معينا من أشكال التفاعل العقلي ، بين المشاهدين العراقيين و المؤلف والمخرج، حول العلاقة بين الجاني والضحايا من جهة، وبين الجاني والسلطة البوليسية من جهة أخرى، ضمن أفعال من (العنف الفردي) رسّخ سريعا (الخوف الجماعي) الذي دفع أنظار الناس نحو التطلع إلى الدولة البعثية نفسها لإنقاذهم منه رغم أن الناس يعرفون طبيعة وأهداف تلك الدولة .
وجد ملايين الناس العراقيين في صيغة جرائم ابو طبر، في زمن حدوثها، حماقة جديدة النوع منذ أن عاشوا تاريخها وتابعوا وقائعها، كما وجد البعض من الخبراء في تحليلها ومناقشاتها وافتراضاتها ما يحتاج إلى من يعرضها ويفحصها بقصد الحصول على الإجابة على كل سؤال يتعلق بها. كانت هذه الصيغة – الحماقة في ظن الكثير من الناس شكل من أشكال تصنيع صدمة بوليسية – سيكولوجية يراد نقلها عبر الأجيال القادمة.
حين علمتُ بنيةِ قناة البغدادية إنتاج مسلسل عن ابو طبر أدركتُ في الحال مدى صعوبة جعل (أحداث الماضي) تمضي في ثلاثين حلقة تلفزيونية بـ(رؤية الحاضر) بوساطة الوصف التاريخي المجرد. الكثير من الأمور المتعلقة بالجرائم الفردية في العراق ما زالت غامضة ولا يمكن احتواؤها من قبل كاتب أو منتج تلفزيوني يعتمد على معلومات قليلة وناقصة. عرفتُ أيضا مدى صعوبة كتابة سيناريو المسلسل وإخراجه ليكون مرجعية في كشف (القوة الخفية) المجهولة التي وقفت وراء أبو طبر، قوة لها شأن في تاريخ الفكر القمعي منذ شباط 1963 حتى اليوم بوصفها وسائل قوة تمارس حربها العلنية والخفية ضد الشعب .
بدءً أقول أنني وجدت في مسلسل أبو طبر تسرعا في إنتاج اللقطة الواحدة أو المشهد الواحد حيث لم أجد مركزية واحدة في تصوير المشاهد فالضوء شديد الاختلاف في هذا المشهد عن سابقه أو لاحقه.. بعض الحوار عالي الثقافة يحمل رغبة عنيفة وعاطفة عنيفة وبعضه الآخر لا يحمل معنى مؤثرا. من هنا جاء عطاء التمثيل ليس بمستوى الطاقة الإبداعية الكامنة في أعماق الممثلين جميعا . يمكن ذكر بعض النقاط للمثال وليس للحصر:
(1) كان العطاء التمثيلي في شخصيتيْ راهي (ميثم صالح) وفتاح (حسين عجاج) ليس موصوفا بوحدة إخراجية متواصلة أو متكاملة، فقد كان حسين عجاج ضحية من ضحايا مستوى ضعف النص أثناء وجوده في اغلب مشاهد المقهى والبيت لكنه كان ثيمة ناضجة وجادة ومعقولة أثناء وجوده في المعتقل ربما كان مخرج تلك الثيمة (سامي الجنادي) قد استحضر بعض المراجع الدرامية في تلك المشاهد متحركا بمفاصل ذات صلة بأصول بعض المشاهد بينما كان ميثم صالح (راهي) يعيد تألق دوره من أول المسلسل حتى آخره.
(2) ربما كانت تخيلات جمانه فؤاد (بشرى) ابنة الطبيب شوكت عن فارس أحلامها (حاتم جواد هضم) مصطنعا، ليس حياديا، ولا يحمل قيمة عقلانية، كما أنها خارج عن حدود الأخلاق والصفات السيكولوجية.
(3) لم يكن دور هند طالب قويا في تأثير بعض النساء على شئون الدولة. بدا دورها في السيناريو قليل الأهمية وانتهى بسرعة في مكان ما غير مؤثر خارج العراق، بينما المفترض الأكثر تقبلا أن يكون العديد من أتباع السلطة من جهاز المخابرات وغيره متلازمين مع الممارسات اللا أخلاقية التي توقظ عندهم لما يستجيب لمنافع شخصية كان المفروض بكاتب السيناريو أن يكشف القناع عن القوة الداخلية لموظفي الدولة وخضوعها لعبثية الجنس وعلاقات الدعارة.
(4) أما دور المحققين الأجنبيين الألماني والفرنسي اللذين استوردا من الخارج لمعاونة المحققين العراقيين في جرائم ابو طبر فقد كانت مشاهدهما من الضعف إلى درجة تثير الهزء بإخراج مشاهدهما التي لا علاقة لها بأي وصف من أوصاف المسلسل.
من هذا المنطلق وغيره فأن قراءة مسلسل ابو طبر يمكن أن تكون متنوعة الأشكال والأغراض والأهداف والاستنتاجات تبعا لكيفية اقتناء مشاهد المعلومات الأساسية عن الجرائم أو لكيفية متابعة قارئ المسلسل لموقف مسبق أو غير مسبق من مؤلف القصة والحوار والسيناريو (حامد المالكي) أو لموقف مسبق من سلطة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق وتسلط على الشارع والمجتمع والإعلام خلال الفترة 1968 – 2003 . لم أجد في المسلسل تلازما بين المشاهد وزمانها ولا بين المشاهد ومكانها فالمخرج السوري لم يتقيد بأي شكل من أشكال الوظيفة البعثية في العراق حتى أن موقع المخابرات العراقية ظهر في بناية صغيرة على جانب طريق بلا حراسة بينما الواقع لم يكن بمثل هذا التركيب .
الفن التلفزيوني ينبغي أن لا يقرأ على أساس هذه الكيفية العجولة أو المبتورة أو الناقصة ، أي يجب أن لا يقرأ وفق إدانة عمومية أو وفق نظرة مسبقة، لأن ذلك يفقد المشاهد الوجود الملموس والمؤثر لهذا الفن، الذي ينبغي له أن يصنع من جوهره الجميل كل ما هو نافع ومتعاطف مع العقل الجدلي للناس المشاهدين وأن يجيب على استفهام عن حقيقة ابو طبر، التي ظلت غامضة حتى الآن في عيون السياسيين والمثقفين العراقيين معا.
إن قراءة النص التلفزيوني لمضمون وبيئة ابو طبر ينبغي أن يتم في ضوء تحليل سياسي – سيكولوجي - ثقافي لمشكلاته من جهة واعتمادا على مصفاة رؤية الكاتب حامد المالكي من جهة أخرى لكي يتم في النهاية كشف الحضور الشخصي للمواطن العراقي داخل الدراسة النصية الفنية لحقيقة أسباب أو مسببات جرائم ابو طبر التي ظلت غامضة ومحفوظة في أدراج بعض قادة حزب البعث في تلك الفترة.
هنا في هذه المقالة النقدية أحاول جهدي أن احلل المسلسل الذي كان نصه يحمل الكثير من مراوغات قادة أجهزة السلطة البعثية القمعية (الشرطة والأمن والمخابرات). كذلك كشف النص عن ثقافة المخاتلة في شخصية المجرم حاتم جواد هضم الملقب ابو طبر من دون أن يعرف احد من أطلق عليه وقتذاك هذا اللقب.
الشيء الأول الذي أريد التركيز عليه هنا هو أن مؤلف المسلسل حامد المالكي استطاع أن يصنع في مسلسله حدثا ثقافيا – فنيا له علاقة مباشرة مع قبح الأفعال السياسية في عيون المشاهدين عن حزب البعث الحاكم في العراق في فترة ما بعد تأميم النفط وبعد محاولة انقلابية فاشلة قام بها مدير الأمن العام مدير قصر النهاية المدعو ناظم كزار وبعد اندلاع حرب تشرين العربية – الإسرائيلية، وقد شكلت نظرية المسلسل وسيلة من وسائل استبداد السلطة البعثية في أوائل أيام صعودها إلى السلطة مشاهد القيادي الحزبي البسيط (الرفيق فوزي) في قهوة الطرف.
الشيء الثاني الذي أريد قوله هو مدى نجاح وفعالية حامد المالكي في كشف عملية اندماج (جمالية النص) مع (قبح الفعل الإجرامي) ، جمالية تمثيل الممثلين وقباحة أعمال (العنف الفردي) الذي مارسه أبو طبر في بيوت المواطنين و(العنف الجماعي) الذي مارسته السلطات البوليسية بحق المواطنين الأبرياء المعتقلين بتعذيبهم بوحشية ( حسين عجاج) وباغتيال بعضهم ( كريم عواد صاحب المقهى) واغتيال الشيوعي بالسم . لا شك أن رؤية ( نقد المسلسل) مع رؤية (النص) يمكن أن تصنع عينا كاشفة تحدد نقاط الضعف في السيناريو والإخراج.
في فن النص التلفزيوني المتسلسل بحلقات يظهر البطل متحركا بعناية لكشف الحقائق المختبئة عند المجرم ابو طبر أو لدى القوى الخفية التي تقف وراءه أو مشجعة له سواء كانت عملية الكشف التلفزيوني متفقة أو مختلفة عن اكتشافات أجهزة الشرطة وسواء كانت وسائل المسلسل واقعية أو خيالية او مندمجة معا.
بطل مسلسل ابو طبر كان بنظري يحتاج إلى مجموعة من الصفات لتظهر سطوة المسلسل وأبطاله من الممثلين وغلبتهم على شهوة المشاهدين لضمان استمرار متابعة المشاهدين ليس لفوتوغرافية الحلقات المتتابعة بل لما تحمله ثلاثون حلقة من الممارسات الفنية التي تحتاج أول ما تحتاج إلى التوافق التمثيلي وعلى ضمان طرق وأدوات إيصال الحوار بالسرعة وبالاستفادة من التكنولوجيا الرقمية. كانت أفضل صورة في هذا الصدد هو صفعة أم حاتم (سليمة خضير) إلى وجه ابنها المجرم ابو طبر (كاظم القريشي ) حيث حملت الصفعة وبضع كلمات عاطفية نقية قالتها الأم تعاليا على معاناتها وتفاعلا بين الرؤى والتخيلات و ثباتا فنيا مكتملا ومتحولا في تعابير فائقة الجودة والبراعة من قبل سليمة خضير وكاظم القريشي. على العكس تماما من مشهد فاقد لوعي الزمن في جلسات متتابعة بين المتهم الموقوف ابو طبر ومدير الشرطة حيث تقسيمة هذا المشهد وفق هذا النص ليست حقيقية في المعتقلات والسجون العراقية، مما لا يرتبط بقدرة ونجاح عملية (تقسيم الزمن) بين السجين والسجان إلى وحدات صغيرة لا تدخل ولا تتشكل مع حقيقة العلاقة بين المجرم والقابض على حياته.
بطل مثل هذا النص من نوع مسلسل ابو طبر يحتاج إلى طقوس معينة من المشاعر تظهر الخوف من الموت وليس تلطيفها مع مشاعر تحدي الموت كما كان ابو طبر في غرفة التوقيف يظهر نفسه ليس مأزوما بل كان واثقا انه سوف ينتصر على الشرطة والموت في لحظة ما قادمة ، بينما الواقع العملي يبرهنه علماء النفس : أن كل سجن هو (أزمة) وكل سجين هو في قمة (الأزمة) . كان ابو طبر قد ظهر كأسطورة متشبثة بالحياة من خلال قتل الناس الآخرين. كما ظهر في حالة تمرد وصراع ومواجهة مع كل ما هو في حالة مفارقة غير واعية مع الإدراك الحقيقي لجرائمه التي انتشرت أخبارها في كل أنحاء البلاد مثيرة الرعب ببعد رمزي هو (الطبر). شغل الناس أجمعين وأشاع مناخا سيكولوجيا ممهدا رحلة المواجهة مع الموت التي قد تجيء إليه في هذه الليلة أو غدا. صار الموت في عيون الناس ليس منفصلا عن اللحظة الحاضرة، أي ليس في لحظة المستقبل، كما تقضي وظائف وقصص ومواقف دينية وطبية واجتماعية رسخت في مجتمعنا منذ طفولة كل مواطن .
في كل مسلسل والصحيح انه في كل حلقة من حلقات أي مسلسل توجد (صدمة) وتكشف (أقصوصة) عن ضحايا هذه الصدمة حتى الصدمة الوجيزة يمكن أن تترك اضطرابات طويلة الأمد على جميع الناس بقصد إفقاد الحس لدى الإنسان وإضعاف السيطرة العاطفية على نفسه . هل كان هذا من وعي أبو طبر السادي أو من تخطيط الجماعة الواقفة خلفه التي تفهم أثار الرعب الناتج عن (الصدمة) المرسومة بهدف إستراتيجي لتحطيم الثقة الاجتماعية من قبل جماعة فاشية سيطرت على السلطة والمجتمع في مرحلة ما من مراحل لم يكن فيها الوطن العراقي متفاعلا ولا منسجما مع العالم المتحضر بل في عزلة عن العالم الخارجي متحولا من العيش الآمن إلى الموت المحقق في الحروب الداخلية والخارجية .
لا تقاس نتائج (الصدمة) بحجمها، كبرها أو صغرها، بل تقاس بمدى خروج الإنسان - الضحية من نطاق حماية الدولة لأمنه ولأمن عائلته. من هنا فأن (صدمة ابو طبر) في 1973 – 1974 كما صورها سيناريو حامد المالكي بطريقة فرويد لم تكن جرحا اجتماعيا يمكن أن يلتئم بسهولة وبزمن قصير، بل كانت تحطيما للذات الوطنية وثقافة مأساوية بنيت عليها (جمهورية الخوف) خلال 35 عاما ولم تكن هذه (الصدمة) وعواقبها قادرة على أن تكون درعا واقيا لسلطة حزب البعث كانت صدمة نفسية – أخلاقية تعمقت بعد حربين خليجيتين وعدد من الحروب والكوارث الداخلية. إن شخصية فتاح (حسين عجاج) قتلتْ (ذاته) في أعماقه فصار هذا الشاب يحمل احتقارا لحياته ولحياة الفقراء وكان هذا الممثل المنسجم مع دوره الفني قادرا، بقوة أدائه، على تفسير وتشريع نتائج عنف الدولة داخل سجونها حين تكون وسائل التعذيب خيالا لا يمكن تصوره في أيديولوجيا وثورة حزب البعث ونظام صدام حسين. كما كان وعي كميلة (ناهدة الرماح) ينم عن قدرة تمثيلية باهرة عند تجسيد موقف الأمومة وهي تحس، رغم فقدان بصرها، أبدان وقلوب الفقراء متسممة بـ(الصدمة) في منظومة من المشاهد والحوار تطابقت مع هموم وفواجع العائلة البغدادية تحت ظل علم جمهورية الخوف وقد وهب حامد المالكي إبداعه في كشف بعض الطرق الغامضة في نشر الرعب والانقسام الباطني بين الناس من سكان المحلة الواحدة ومن مرتادي المقهى الواحدة.
مثلا، أن (صدمة) انقلاب 8 شباط 1963 كانت صدمة اغتصاب سلطة، وصدمة قتل زعيم ثورة 14 تموز عبد الكريم قاسم. ربما هي صدمات من نوع كثير التأثير على مستقبل المعايير الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، غير أن البيان رقم 13 الصادر من قادة الانقلابيين ضاعف من الآثار المباشرة للعنف الجماعي ضد التنظيمات الجماعية. لقد حاول قادة حزب البعث أن يحولوا (العنف) إلى تشريع، إلى قانون، إلى قيمة اجتماعية - عسكرية للسيطرة على عقول الناس وعلى المجتمع. لكن هذا النوع من (العنف) ما أدركت نتائجه قيادة البعث، ما أدركت أن (الضحية الجماعية) نتيجة (العنف الجماعي) سرعان ما تنتقل من الذات إلى الآخر، من الفرد إلى الجماعة، لذلك تحول البعثيون الانقلابيون بأنفسهم إلى كبش فداء بانقلاب عبد السلام عارف فأسقطهم بعد شهور تسعة من صعودهم إلى السلطة.
اعتقد البعثيون أن لكل عنف كبش فداء عاجلا أم آجلا من خلال العنف يكتشف المرء قيم مجتمعه ويكتشف المجتمع سلوك أفراده. بهذا المعنى يصبح جميع أعضاء المجتمع باحثين عن الأمن والأمان ضمن الدولة وقوة الدولة. في عودتهم الثانية إلى السلطة في تموز 1968 حاول القادة الجدد الانتقام من الناس (كل الناس) بما فيهم البعثيين وعائلاتهم وفقا لعقيدة جديدة هي عقيدة استخدام ( العنف الفردي) فمارسوا اغتيالات عديدة (فردية) ضد أعدائهم وخصومهم من مختلف الأحزاب والإيديولوجيات ( اغتيال الشيوعيين ستار خضير ، محمد الخضري، شاكر محمود، عبد الرزاق مسلم وعبد الامير سعيد وغيرهم من البعثيين والقوميين عبد الكريم الشيخلي وناصر الحاني، وعبد الرزاق النايف وعبد الوهاب كريم. كما حاولوا اغتيال القائد الكردي مصطفى البارزاني) لكن قادة البعث وفي مقدمتهم صدام حسين سرعان ما أدركوا أهمية تغيير أساليب اغتيال الخصوم في الشارع إلى اغتيالهم في دهاليز قصر النهاية من الشيوعيين ( كاظم الجاسم ، عزيز حميد، محمود الحلاق، متي هندو، سامي محمد علي، فائق إلياس وغيرهم) لتأسيس (جمهورية الخوف)، ثم جاء حامد المالكي في مسلسل أبو طبر ليكشف بتلقائية أقوال الناس في المقاهي وفي البيوت وعلى تلميحات من لسان أبو طبر نفسه أمام مدير الشرطة، أن فعالية (العنف الفردي) الذي تمارسه (الدولة) سرا عن طريق (الأفراد) يمكنها أن تعزز قوة الدولة البعثية الثانية من جهة وتعزز مستوى الشعور بالخوف لدى الشعب كله من جهة أخرى. كذلك أدركوا أن العنف الفردي القليل الكلفة يمكن أن يؤدي إلى كبح جماعي عالي التأثير على العكس من العنف الجماعي الباهظ الكلفة المؤدي إلى كبح فردي قليل التأثير.
مثل هذا الاعتقاد في نوعية الممارسة العنفية البعثية خلال الفترة التي أعقبت انقلابيين عسكريين قادهما حزب البعث في العراق جعل الكثير من الناس يظنون أن شخصية ابو طبر هي شخصية مصنوعة بعثيا وأنها بالذات صناعة مخابراتية بعد سلسلة من اغتيالات سرية ذكرتها آنفاً، لكن فات على كاتب السيناريو أو منتجه احتمال أن يكون عنف ابو طبر فطريا مما يحتاج إلى دراسة للتمييز بين العدوان الفطري والعدوان المصنـّع تمييزا واضحا يمكنها أن تحقق مقياسا عاليا في وعي الدراما العراقية، التي بإمكانها إزالة أي التباس حول (مشروع أبو طبر) بعد أربعين سنة من سلوكيته الإرهابية، فالوعي الدرامي ضرورة كاشفة تعبر حتما إذا ما سارت بالاتجاه الصحيح عن مجموع مشاعر الخوف في أوساط الجماهير ولحظات يقظتها . نتيجة هذا اللبس ظل تفسير المسلسل يزيد تعقيد الموقف من أبو طبر كامنا في تحديد الحقيقة رغم وجود اعتقاد لدي بان مؤلفه يمتلك وعيا عن سلوكية أبو طبر العدوانية .
ربما هناك الكثير من أسباب ممارسة (العنف) الفردي كجزء من نماذج سلوك سيكوسوماتي عقلي أو جسدي أو نفسي، خاصة لدى الناس العاملين المحبطين بالمجال العسكري المضطرب غير أنني وجدت المسلسل حائرا أو متعثرا بين هذا وذاك، خاصة وان الكثير من الهنات والضعف سادت الحوار في كثير من المشاهد ابتداء من بعض سطحيات الحوار في الحلقة الأولى خصوصا.
هناك احتمالان رئيسيان في قضية الغموض المحاط بجرائم ابو طبر يحتاج الوصول الى حسمها ضرورة التوسع في البحث بها من قبل مراكز الخبرة النفسية ومن قبل مختصين في الخبرة الحسية في علوم القضاء والتحقيق الجنائيين ليكون بامكان كاتب السيناريو ان يعتمد على نتائجها في كتابة السيناريو بصورة دقيقة من جهة ليكون بمقدور مخرج المسلسل التحكم بفسيولوجيا وسيكولوجيا حركة وكفاءة الممثلين حتى يكون المسلسل أكثر حسما واكثر قدرة على التقليل من حجم الغموض عن عقول المواطنين الذين عاشوا فترة ابو طبر بخوف شديد من كلا احتمالي ممارساتها:
(1) من المحتمل جدا ان تكون شخصية ابو طبر شخصية منفذة لنظرية بعثية تنفيسية او تجريبية وضبطها ممسوك بيد خفية.
(2) من المحتمل جدا ان تكون شخصية ابو طبر ذات تعبير عن عدوان فطري ذاتي.
لا نريد هنا أن نتناقش حول التمييز بين الاحتمالين لكنني أقول أن الضرورة الملقاة على عاتق المسلسل أن يحدد بالضبط نوع العنف الذي يمارسه ( بطل المسلسل) فإذا كان فطريا من وجهة نظر الكاتب القدير حامد المالكي فعليه أن يقدم مسلسلا قائما على (السيرة الذاتية) لشخصية المدعو حاتم جواد هضم. أما إذا كان كاتب السيناريو يميل إلى الاحتمال الثاني فعليه وعلى المخرج سامي الجنادي أن يركزا على مسلسل وثائقي مركب اجتماعيا – سياسيا يقوم على تحديد تاريخ الجرائم ونوعها وإطارها ودلالاتها المخابراتية. بمعنى آخر أقول انه كان على سيناريو المسلسل أن يعتمد على تعليل التحليل النفسي للعنف الفردي، الذي مارسه ابو طبر (فطريا) أو مارسه ( إجباريا). كان ينبغي أن يظهر مرحلة طفولة حاتم جواد هضم لأن المعروف في المسلسلات التلفزيونية الناجحة أهمية (الطفولة) في تكوين شخصية (الفرد) خاصة وأن الأبوين لهما دور كبير في تربية (الشخصية) منذ مراحل (الطفولة). هذا الجانب أكد عليه سيجموند فرويد سيكولوجيا وأكد عليه كارل ماركس اقتصاديا واجتماعيا وأكد عليه ايزنشتاين سينمائيا وأكده برتولد برشت مسرحيا ، بينما أغفله حامد المالكي.
لكي يصبح (ابو طبر) هو (حاتم جواد) ولكي يصبح (حاتم جواد) هو (ابو طبر) فأن عليه أن يكون في الحالتين بحالة نفسية قادرة على القتل (غدرا) والانتصار بـ(جبن ذليل) على ضحاياه المقتولين باغتصاب المقتولات. لقد نجح كاتب السيناريو حامد المالكي والمخرج سامي الجنادي في إعادة الانسجام والتوازن لشخصية (بطل العنف) بعد كل عملية قتل من خلال نظرات البطل إلى ضحيته، من خلال تناول سيجارة وإشعالها وتدخينها كأنه يريد التعبير عن مكنون في صدره بأنه مجبر على فعلته. كما لاحظتُ أن المؤلف بالغ كثيرا في دور أبو طبر حين حمـّله هوية ثقافية حتى أنه في بعض المشاهد صيره فيلسوفا من أتباع نيتشة وغوته، بينما المعروف أن تكريم الثقافة والفلسفة لا يأتي إلى قاتل بشع منعزل عن الحياة والمجتمع ذي سلوك نفسي منهك نتيجة اكتئابه وإدمانه على الكحول وتحطيم علاقاته العائلية، بل أن الجهل يأتي إلى مثل هذا الشخص حتى وإن كانت ممارساته تدل على ذكاء.
ربما يكون مثل هذا المجرم بحاجة إلى إسناد من الدولة حين اختارته ليكون بطلها في اقتراف جرائم فردية متتالية لكن بأسلوب واحد. كاتب المسلسل لم يوثق عملية توجيهه من قبل الدولة ومن قبل بعض المسئولين فيها، أي أن العلاقة الخاضعة للدولة لم تتوالد صورها في عيون مشاهدي المسلسل إلا من خلال التفاتة ذكية من حامد المالكي حين كشف عن رغبة المجرم ابو طبر بطلب إيصال خبر اعتقاله إلى صدام حسين أو إلى مساعده سعدون شاكر في وقت يعرف الجميع أن هذين العنصريين القياديين في الدولة البعثية هما أول من عرف باعتقاله، بل هما أول من تابع حتما ميثولوجيا العنف التي تتحرك جرائمه من أولها إلى أخرها وفقا لديناميكيتها.
لا اشك أبداً أن الخيال الفني هو احد حقوق المؤلف – السيناريست لخلق إضافات رمزية متصلة بـ(وثائق) واقع أحداث المسلسل، لكن بشرط أن لا تؤدي الرمزية إلى انفصام بين مُشاهد المسلسل وأفكاره. وقد لاحظ المشاهدون في عدد غير قليل من المشاهد انفصام (موقف) الشرطة ومديرها عن (موقف) المخابرات ومديرها مع العلم أن الجميع يعرف حتى من خلال هذا المسلسل أن أجهزة الدولة البعثية كلها (الشرطة.. الأمن المخابرات) تمارس أعمالا لا شرعية خلال التحقيق مع المواطنين المعتقلين في سجونها، كما تمارس تعذيبا بأساليب لا يمكن تصديق حجمها من الرعب والتنمر، بينما اتبع السيناريو أساليب تعذيب بدائية ( الفلقة) أي الضرب بالعصا على القدمين تركها البوليس العراقي منذ عام 1956 أثناء التحقيق في قضايا كبرى.
بصورة عامة يمكنني القول ان البنية السياسية في جسد المسلسل وحواره كانت خالية من (ميكانيزم القوة) التي حولت جمهورية البعث الثانية إلى (جمهورية الخوف)، فالهدف الأساسي من (العنف الفردي) الذي أوصله حاتم كاظم ابو طبر إلى المجتمع بأن المرء القوي يمكن عن طريق الجريمة (الفردية) أن يستحوذ على عقول الناس بنشر حالة الرعب، وان يستحوذ على أجسامهم بالطبر، سواء كان ذلك برغبة قاتل فرد أو برغبة فرد منفذ لأوامر فرد أخر في قيادة الدولة أو في حزبها الحاكم، التي لها هدف معين يتطلب أساليب معينة، وسرعة تنفيذ معينة، وفعالية سرية معينة. كل هذا ينتج انضباطا لآلة قتل واحدة، مدربة أو غير مدربة، لكنها قادرة على تخويف أكثر الناس شجاعة بمن فيهم أعضاء في حزب الحكومة ودولتها.
الواضح أن كاتب المسلسل قد تخلى عن مهمة إنتاج عمل تلفزيوني وثائقي بحت، بل راح يبحث عن آثار رعب الطبر على مشاعر الناس وشعورهم، على السياسة ورجالها، على أعضاء الحزب الحاكم وتنظيماته، على الدولة البعثية وكيفية تحطيم الثقة بحكومتها. انتقل المؤلف حامد المالكي إلى رحاب أخرى تخطى فيها حدود المسلسل الوثائقي داخلا إلى حدود (الذات الشخصية) لرجل من أهالي المسيب كان موظفا في سلك الشرطة ذات يوم من اجل تحسين وتسهيل حياته، لكنه سرعان ما فصل من وظيفته فرضت عليه بعد ذلك علاقات مع السفر إلى بلدان أوربية أوجدت له بمرور الزمان مظاهر وبراهين على قدرتها في ارتكاب الجرائم فتراكمت عنده خبرة الاختفاء والتهريب والغش والخداع، إضافة الى خبرته في قتل ضحاياه بلمحة واحدة وبسلاح ليس رشاشا وليس أوتوماتيكيا كما ظهر من جرائمه في ألمانيا أولا وفي بغداد أخيرا. لقد كان ابو طبر يقتل أبناء جنسه بلا سبب، بلا عداوة سابقة، بلا هدف شخصي. كانت أعماله بمجملها تحضيرا واضحا لأهدافٍ كأنما يحققها لغيره، بل للحكومة نفسها، كما كان يعتقد بعض إبطال المسلسل بما فيهم القوادة دلال حيث الكثير من إشارات نص المسلسل كانت تشير إلى أن ابو طبر هو محارب فردي، يتحدى بجرائمه عالم (الذات المطمئنة نسبياً) محولاً إياها إلى عالم (الذات الخائفة كلياً). كانت مهمة أعماله الإجرامية تتركز على خلق وتحضير القالب السيكولوجي لإجبار الناس العراقيين على قبول جمهورية عراقية ، جديدة النوع، تقوم على الخوف والحروب والجوع والقحط إلى درجة تجعلها مبنية على تعارض الذات العراقية مع الوطن والوطنية من جهة، ومبنية على تضحية الذات الوظيفية من اجل ضمان حماية الجماعة الحاكمة من جهة أخرى، عن طريق تسخير الفرد العراقي ورفع استعداده النفسي ليكون مطيعا لشذوذ القيادة السياسية البعثية في جمهورية الخوف التي وضع حجر الأساس لها شخص واحد اسمه ابو طبر زارعا بسرعة مذهلة في أعماق المواطنين خلقا جديدا يقوم على احتقار الحياة، والخوف منها، طيلة أشهر عديدة من سبعينات القرن الماضي (وهي الفترة الحقيقية لحقبة أزمة أبو طبر الحقيقية بين أول جريمة وقعت بالمنصور نهاية تموز 1973 وبين نشوب حرب 10 رمضان 1973) كما يقول الخبير القانوني والجنائي د. أكرم عبدالرزاق المشهداني.

من هنا انفصمت شبكة علاقة صدمة ابو طبر عن وحدة المجتمع ثم انتقلت الصدمة من داخل العراق إلى خارجه حيث انفصمت خلال الحرب العراقية الإيرانية علاقات الثقة بين الجنود والحكومة وحزبها، وكان غزو الكويت مجازفة إضافية في حياة الرعب والخوف منتقلة من العراق إلى الجارة الغربية الجنوبية، مثيرة (صدمة) شاملة بين مجموعتين إنسانيتين جارتين ، لم يستطع احد، حتى اليوم، أن يستعيد الثقة بين الجماعتين الحاكمتين في العراق والكويت حتى بعد سقوط نظام صدام حسين وزواله من الوجود. كما تعرض المجتمع العراقي إلى (صدمة عنيفة) من نوع آخر نتجت عن الحصار الاقتصادي في تسعينات القرن الماضي، مما اوجد انفصاما اكبر بين الفرد والجماعة فازداد (الخوف المتبادل) بينهما حتى بعد عام 2003 حين تحولت صورة (الفرد) ابو طبر إلى صورة مجاميع ميليشيا ملثمة والى مجموعات سفاكة للدماء عبر تشكيل جيوش بأسماء المهدي وجيش محمد ودولة العراق الإسلامية وغيرها من المسميات مهمتها تحطيم الذات العراقية، استكمالا لمهمة ابو طبر التي بدأها في سبعينات القرن الماضي.
هذه الخبرة المتجمعة بذاتٍ واحدةٍ، بشخصيةٍ واحدة، حولها حامد المالكي إلى رؤية تلفزيونية تعيد تفكير المجتمع العراقي نحو مناقشة إحدى خصائص جرائم فردية في زمان عراقي جديد اجتمعت فيه الجرائم الفردية والجماعية داخل البيوت وفي الشوارع بإعمال ومواصفات جرمية غاية في الحداثة، التي تستهدف حضورا فوتوغرافيا هو امتداد لثقافة ابو طبر في عملية اغتصاب الموت من أجساد الناس الأبرياء بقصد خلق (صدمة) الخوف من الموت في عمق المجتمع وأطرافه رغم فشل المسلسل في التعبير عن حضور المكان البغدادي في المسلسل الذي اقصي تماما من خلال تصوير بعض الأزقة السورية المتخيلة أنها بمنزلة الأزقة العراقية، كما لم يكن نموذج البيوت التي ركز عليها المخرج سامي الجنادي عراقيا ولا شبيها لها في تلك الفترة .
لقد كشف المسلسل عن خلل آخر فالمؤلف أراد أن يكشف للمشاهدين عن (صدمة ) أصابت المجتمع اجمعه، شعبا وحكومة، فقراء وبورجوازيين، نساء ورجالا، عبر تخوم ورغباتِ ذاتٍ واحدةٍ ، هي الذات القاتلة المؤمنة في أعماق حاتم جواد هضم، لكن العلاقة المطلوبة بين نص السيناريو وخطة المخرج لم تكن متوافقة، أي أن العلاقة بين رؤية حاجات الذات في نص السيناريو لم يدركها المخرج في خطته، التي ما استطاعت أن تظهر صدمة الرعب واضحة في أحداث المسلسل التي لم تكن تنتمي إلى أحاسيس العراقيين في تلك الأيام السوداء من صيف عام 1973 ، خاصة وان المخرج لم يتوافق مع الإمكانيات الفنية التمثيلية الهائلة التي يمتلكها ممثلون عراقيون من أمثال مهدي الحسيني، وحسن هادي، وشمم الحسن، وذو الفقار خضر، واسيا كمال، وكريم عواد وعبد المطلب السنيد، ومناف طالب وسليمة خضير وغيرهم. ربما لم ينتبه إلى طاقة تمثيلية كامنة في أعماق تمارا جمال كان عليه أن يفجرها ، خاصة وان هذه الممثلة الشابة ذكرتني بالقدرة اللامعة التي كانت تمتلكها ناهدة الرماح منذ أول معرفتي بها في خمسينات القرن الماضي ، ربما استطاعت هذه الشابة أن تتناول نفس خصائص إبداع ناهدة الرماح في طريقة التعبير التي تستقطب المشاهدين بسرعة وذهول . ربما كان تداخل وتناغم الفنانين كريم محسن وسعد محسن اختبارا وتسجيلا لمقدرتين رائعتين في تجسيد شخصيات قيادية في أجهزة القمع العراقية بطرق فنية بالغة الدقة . خاصة وان المخرج أو المؤلف – لا ادري – قد ارتكب خطأ فادحا فاضحا حين قامت الكثير من المشاهد على قيام الشرطة البغدادية ب ثلاثة أخطاء لا نظامية :
الخطأ الأول هو متابعة مراحل التحقيق مع ابو طبر حيث المفروض أن يجري من قبل قاضي التحقيق في وقت صار معروفا أن مهمة الشرطة والأمن والمخابرات هو التمهيد للتحقيق بتعذيب المتهمين وانتزاع الاعترافات منهم . إن ملاقاة مجرم من وزن أبو طبر من قبل مدير الشرطة نفسه بزيارته في الموقف وتبادل الأحاديث الودية والإصغاء إلى ذكريات المجرم وفلسفته والسماح لعشيقته اليهودية بزيارته في مكان اعتقاله ، ثم حضور مدير محاكمته ومن ثم تنفيذ حكم الإعدام به ، كل هذا هو اختراع قضائي ساخر لا يمكن رؤيته واقعيا في أي بلد .
لكن رغم كل ارتباك في وحدات انتاج هذا المسلسل فقد استطاع مسلسل ابو طبر ان يلقي القبض على كثير من سيئات ولحظات قيادة حزب البعث على مدى تاريخ بداية المرحلة الثانية من تسلطها على الحكم في العراق بدمج (عنف الفرد) ابو طبر مع (عنف الدولة) في مختلف المراحل اللاحقة لتحقيق (صدمة) قوية تطلب قوامها 35 عاما من عدم الثقة بين الفرد والفرد، بين الجماعة والجماعة، بين الفرد والجماعة، بين المواطن والدولة ، حين اوجد الحكم البعثي برغبته وتخطيطه أو من دونهما بطلا غير إنساني اسمه ابو طبر، ظل وما زال يعيش في خيال المواطن العراقي، يذكره بآلام مرحلة طويلة من الفجائع امتدت بين أعوام 1968 – 2003 جعلت من أفراد الشعب كلهم ضحايا لعنف لا مثيل له.
كان المفروض أن ينتهي المسلسل بتصور عادل واحد حيث نشاهد حبل المشنقة يخنق أنفاس مجموعة من المجرمين العتاة كانوا نتاج الأرض الدموية، التي وقف عليها نظام صدام حسين ، لكن نهاية المسلسل كما شاهدناها، كانت اضعف ما في المسلسل، كأن بطل أسطورة العنف الفردي ابو طبر أطلق سراحه بعد اعتقاله ليبارز الحياة حتى الموت في أوربا ، كما لو كان صدام حسين قد تفاعل، طائعا، مع (ذات) حاتم جواد هضم ورغبته في مفاوضة الرعب والاستسلام في حين أن جميع المشاهدين يعرفون ان صدام حسين لا وعد يلتزم به لا أمام نفسه ولا أمام الله وليس أمر حسين كامل زوج ابنته ببعيد .
يبقى القول الفصل أن مسلسل ابو طبر كان أول أمكانية فنية لا يمكن رفضها رغم نقاط ضعفها ، فقد برهن حامد المالكي على انه يملك مصدرا منهجيا، ومقدرة تجريبية، على صياغة أعمال فنية قادمة متشكلة وقائيا ضد كل احتمالات الخطأ التنفيذي أذا تخلص من بيئة العجلة في تأسيس مشاهد رصينة لا تغيب عن رؤية المكان والزمان وفي حضور حوار تصوري فاعل ليس معزولا عن جميع محاوري الحياة في مجتمعنا وبلادنا.
يظل الكاتب حامد المالكي محاربا تلفزيونيا منتصرا ضمنيا في موكب المكافحين من اجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق