الأحد، 11 سبتمبر، 2011

مسلسل أبو طــــــبر ضعف المعالجة ورداءة القراءة

نقلا عن الصباح البغدادية
11/09/2011
عباس لطيف 
منذ مقدمة (التايتل) او (الشارة) الاستهلالية يضعنا مسلسل (ابو طبر) ازاء الكثير من الاشكاليات سواء على المستوى الفني ونمط البناء الدرامي الذي حفل بالكثير من الثغرات ام على مستوى الاستثمار الحقيقي لحقائق ووقائع التاريخ التي اوغل في تشويه مضامينها وملامحها واغفل الكثير من الجوانب المهمة في التاريخ العراقي

 
 لاسيما في العقد السبعيني فالمقطع الغنائي يكرس فكرة الاستسلام القدري ويعلن اننا رغم العذاب والظلم ( وعدم النوم) فان النجاة تكمن في الصبر وتحت شعار (نصر والصبر المفتاح) ولاتعليق واختلاف حول الاداء الجميل والصادق للفنان ياس خضر والجميع يدرك ان تعويذة الصبر يكررها بجانبها السلبي كل (وعاظ السلاطين) ويروج لها الطغاة والوصوليون ولعل هذا التوجه لايليق بعد انهيار وتفكك الدكتاتوريات العربية والانظمة العسكرتارية ذات الجوهر القروي والقائمة على الزعيم الاوحد والحزب الواحد والعشيرة المنفردة بالسلطة ووفق هذا الاستهلال المتراجع سعى المسلسل الى تسطيح ما هو عميق وتعميق ما هو سطحي وارتكز على فرضيات هي اقرب الى السذاجة والتلفيق منها الى المنطق والفهم المتقدمفالعقد السبعيني كان متفجرا بالاسترخاء الذهني لشيوع الثقافة التقدمية وظهور الذرى في عالم الفن والثقافة وليس الامر يعود للنظام ولكن يمكن القول ان هذا العقد اتم بهذه الخواص على المستوى العربي والاقليمي وهو صفحة من صفحات التارجح بين قطبي الصراع في مايعرف بالحرب الباردة فقد راهن الجانبان الامبريالي والشيوعي على حرب الانقلابات بالنيابة ولعل اشهرها انقلاب تشيللي في ايلول عام 1973لكن المسلسل اختزل كل هذا التفجير واستبدله بحكاية اللصوص والسراق والقتلة والمتخلفين وغابت الجامعات والمسارح ودور السينما في ذروتها الابداعية والتي كانت تتصدى للنظام فكريا وبالايحاء والرمز ولم يظهر من بغداد سوى المقهى البائس والشخصيات الفارغة التي تتقاتل حول عدنان القيسي وحاول المسلسل ان يطرح شخصية (مثقفة) هي شخصية ساهر لكنه ظهر ثرثارا وضعيفا ومنعزلا وحين اعتقل كان فتاح (الحرامي) اكثر صلابة منه واكثر فصاحة في الدفاع عن لصوصيته ولعل تهميش المثقفين والجوانب الاشراقية في الحياة العراقية انذاك رغم المعطف الدكتاتوري قاد المسلسل الى تقديم صورة باهتة وملفقة لكل مايجري واسهمت البيئة السورية والمكان البديل (التصوير في سوريا) في ضعف البنية الدرامية وافقده الكثير من صدقه الفني والتاريخي وظلت كاميرا المخرج السوري سامي الجنادي تصور الواقع من الاسفل في رصد مشوه للاقدام خوفا من كشف المكان ما عزز الاخفاق في اللقطات والاستثمار التعبيري فكانت الامكنة المستعارة هي الاخرى محكومة بنزعة التلفيق والتشويه بعيدا عن بيئة الحدث الحقيقي واجواء الشخصيات العراقيةولعل النزعة التسطيحية اسهمت في افراغ المجتمع من أية اشراقة وقدم المؤلف حامد المالكي شخصيات شبحية محكومة بالفشل وبالنهايات الميلودرامية بعيداً عن الحقيقة وسعياً الى الفبركة والتشويق والاثارة المجردة من اية دلالة ومن يمعن النظر يندهش ازاء الصور البائسة والبليدة للمرأة العراقية فقد اختزلها في شخصية الغجرية وسمسارة الليل ( دلال) وثلة من بائعات الجسد والرغائب الغريزية والى زوجة ابو طبر التافهة والامية والرعناء و( نجوى) شقيقة ( فتاح) العانس التي ترضى ان يقفز على سريرها ( جمعة) ( المطيرجي ) وقد كانت المشاهد تسيء الى قيم الجورة بصورة الاسطح المفتوحة والمشتركة ولهذا الانفتاح الذي لا نجده حتى في السويد في حين قدم لنا المسلسل جمعة وكأنه ( مقطوع من شجرة ) وبيته أشبه بفندق انفرادي وقد حاول المؤلف ان يؤشر هذه الشخصية على انها تمثل النماذج ( الحزبية ) الرثة لكن الطيبة واخلاصه واصراره على الزواج من ( نجوى) اكسب شخصيته الكثير من الصفات الايجابية بما يناقض الفرضية السلبية التي اراد المسلسل ان يسبغها عليه ولعل هذا التسقيط وبالنوايا دون رصيد بنائي ودلائل من داخل الشخصية هو الذي يجعل المعنى معكوساً فاقحام الخصائص باستهلاك وبفرضية مسبقة هو الذي يقود الى البنية الهشة وهذا ينطبق على الكثير من مفاصل واحداث المسلسل وعلى سبيل المثال الصراع بين اجهزة الشرطة وتحديداً عميد زهير وصراعه مع رجل المخابرات ( زهران ) هذا الصراع يوحي باستقلالية المؤسسات وفصلها والتوجه الديمقراطي في حين ان مثل هذه الامور لم تحدث في زمن الدكتاتورية فالوزير اذا نظر الى ساعته فانه يرسل الى الجحيم ومن يناقش بعض الامور اليسيرة يقتل على طاولة الاجتماع فكيف تصدق ان ضابطاً برتبة عميد يرفض اوامر السلطة ويعمل بالضد من جهاز المخابرات الذي كان فوق كل السلطات والمؤسسات وقد ظهر العميد زهير برتبة مقلوبة طيلة حلقات المسلسل
ومن مفارقات المسلسل وفي بنائه المحوري قدم لنا المجرم ابو طبر كانموذج انساني ورومانسي ومتمرد ورافض للرذيلة ( لاسيما حكاية دفاعه عن ضياء وتعلق احد الضباط به ) ووضع المؤلف على لسانه حوارات فلسفية ووجودية وتحليلات سياسية ولعل ابرزها تلك النبوءة المجانية التي وجهها الى العميد زهير ( انه سيظهر الف طبر بعدي ) !! ولاندري ما المسوغات المنطقية والتصور الساذج حين ظهر ابو طبر ليعنف الرائد صبحي بان يتركوا قضية ابو طبر ! .. الى جانب المعركة المفبركة التي فاز بها ابو طبر في المقهى ضد احد عشاق عدنان القيسي وعلاقة الحب بين ابو طبر والطبيبة امينة وهي شخصية نسائية مريضة سايكولوجيا فما الذي يجعل طبيبة تعشق مجرماً سادياً وقاتلاً وهذه صورة اخرى للمرأة الى جانب يؤس واستكانة الام ( كميلة) وتفاهة المراهقة ( مائدة) التي تهوى الضحك على من يتقرب منها وظهرت الفنانة سليمة خضير  في دور بائس  ام ابو طبر وهي تدخن الاركيلة ولاندري هل تدخن المرأة العراقية في السبعينيات الاركيلة في منطقة ريفية كالمسيب ويبدو انها من تأثيرات البيئة السورية !. لم يبد المسلسل اهتماماً بنائياً ودراميا بالعقد الثانوية التي جاءت مفبركة لتعمق الانفراد للشخصية المركزية للمسلسل المتمثلة بـ (ابو طبر) وقد تحول الى بطل سيروي انساني يثير التعاطف واحيانا الاعجاب بقيمه (الرجولية) و (الانسانية) مثلما حفل المسلسل بتمجيد اللصوص مثل فتاح وراهي اللذين لا يتورعان من السطو على بيت زوجة شهيد سقط في حرب تشرين 1973.ولنا الملاحظة الغرائبية حين ظهرت كل الشخصيات وهي تدخن بشراهة وعلى طريقة (المساطيل) في الافلام المصرية التجارية وكأن الامر دعاية لشركات وماركات التدخين مع كؤوس الخمر ورقص الغجريات ولم يرع التوقيت الزمني لعرض المسلسل في شهر رمضان ناهيك عن الولع في تصوير الجثث والدماء افقيا وعمودياً وكان المسلسل يذكرنا او يعرض لنا (صور من المعركة) وكأن العراقيين بحاجة الى هذه المشاهد وهذه البشاعة المريضة.لم يكشف المسلسل عن ماهية اجرام (حاتم كاظم هضم) وهذا اسم ابو طبر الحقيقي لا كما ظهر في المسلسل (حاتم جواد) وهذا انسحب على جميع الشخصيات وربما الضرورات ثم هذا التحوير ولا ندري هل كان ابو طبر (وفقاً للمسلسل) هو من صناعة النظام او تدبير من ناظم كزاز ام هو مجرم عادي استثمر النظام جرائمه لتنفيذ احصاء امني للشعب العراقي وتصفية الخصوم والمناوئين.وظل هذا الامر متارجحاً دون اسناد وتوثيق ولا ندري كيف اعلن ابو اطبر انه درس مع صدام في مدرسة واحدة وهل هذا ادعاء وسواسي ام انه حقيقة واذا كان حقيقة فابو طبر اكمل الابتدائية كما جاء في احد الحوارات وهذا يعني انه درس في تكريت واهله في المسيب!!.وقع المسلسل ما بعد الحلقة العشرين في اشكالية او مطلب (الفلاش باك) والسرد التذكري ولعل هذا يذكرنا بمقولة اشهر مولفي السيناريو سيد فيلد حين شخص (ان الفلاش باك في السيناريو يعكس ان هناك مشكلة في البناء الدرامي) فلقد ظل ابو طبر يروي لزهير المتفرغ له الحكايات ويعيدها اما لقاء ابو طبر مع البكر والذي تم اختزاله الى حدث اخباري فانه لم يضف شيئاً وكان الحوار المنقول (روياً) ساذجاً لا يساوي مهمة المقابلة مع اعلى مسؤول حين يستفسر من المجرم ماذا تتوقع الحكم .. هل يعقل ان يكون هذا السؤال الكارتوني هو محور المقابلة ولماذا لم تظهر شخصية المسؤول هل هو من الاولياء الصالحين والذي يحرم ظهورهم ونجد مثل هذه الفوضيات التي تفتقر الى البناء الدرامي الفني والاقناعي في حكايات الدكتور صائب وابو مائدة ورجل المخابرات وليد.لقد نجح كاظم القريشي وخالد احمد مصطفى وحسين عجاج وميثم صالح وجمانة فؤاد وتمارا جمال وحسن هادي وذو الفقار خضر وسعد محسن في تقمص ادوارهم والتجلي بها.اما الاخرون فقد ظلوا اسرى لاداءات تقليدية منمطة ومكررة في اعمال اخرى.ونتنمى على الدراما العراقية ان تتناول سير العلماء والادباء والفنانين وحملة التوهج الوطني والمعرفي كبديل لنشر غسيل القتلة وحملة (الطبر) وترسيخ موجهات وطقوس العنف والاجرام والبشاعة العيانية

هناك تعليقان (2):

  1. لماذا ياسيدي هذا الهجوم على الدراما العراقية بدل من مساندتها حتى تأخذ موقعها بين الاعمال العربيه لا بل وحتى الاعمال العالمية ياسيدي انا الذي اعرفه ان القلم الصحفي يجب ان يكون مجردا من الذات والانا وكل كتابتك كانت مبنيه على رأيك الشخصي المفروض ياسيدي ان تنزل للشارع العراقي وتعرف رأيه بمسلسل ابو طبر عندها سيكون الجواب كافيا لك

    ردحذف
  2. الى غير المعرف الذي يتهجم على صاحب المقال السيد عباس لطيف وهو قال رأيه ورأي آلاف غيره فلماذا تحتكرون الحقيقة وترفضون سماع الرأي الآخر؟؟ ولا ندري كيف عرفت أن موقف الشارع العراقي من المسلسل يختلف عما أورده السيد عباس,, للاسف داخل كل منا دكتاتور فلماذا تعتبون على صدام مادام مرض الدكتاتورية ورفض الآخر موجود في نفس كل واحد منكم؟؟

    ردحذف