الاثنين، 29 أغسطس، 2011

دراما رمضان : عجيب أمور غريب قضية




نقلا عن جريدة الصباح      

27/08/2011

  محمد غازي الاخرس

أسئلة أثارتها أعمال رمضان ما عدا "أبو طبر" لحامد المالكي، نعم، فهذا السيناريست هو الوحيد الذي يمثل امتدادا لتاريخنا الدرامي على قلة التماعاته، لكنه مؤلف غير محظوظ فهو إلى اليوم لم يجد جهة إنتاجية تحترم نصه وأكبر دليل على ذلك عمله " أبو طبر" .
                                                                                                          

ما أغرب الأمر أيها الأصدقاء ؛ منذ سنين لم تأسرني شخصية تلفزيونية عراقية في مسلسل ، أقول شخصية وأنا أعني شيئا شبيها بعبد القادر بيك أو اسماعيل الجلبي أو عبوسي أو حجي راضي ، أقصد شخصيات لا تنسى مثل رؤوف في "النسر وعيون المدينة" أو رجينة خاتون في المسلسل ذاته ، شخصية مثل صديق باشا في "حكايات المدن الثلاث" أو فزع في "جرف الملح" ، ماذا بعد ، أتتذكرون شخصيات أخرى ؟
لنقل : عبد الله السلمان ، رحومي ، رجب ، غفوري أفندي ، يوسف العاني في "بلابل" ، قاسم الملاك في "رائحة القهوة" ، أبو جحيل في "ذئاب الليل". ذكروني بعمل آخر لا تزال شخوصه وأجواؤه طرية في أذهاننا.
ما الذي جرى إذن؟ لماذا لم نعد نتفاعل مع شخصياتنا الجديدة حبا أو كرها؟ لماذا لم نعد نهرع لها لمراقبة حركاتها ، تنهداتها، خيباتها وأحلامهم بل طريقة مشيها ونمط ضحكاتها. أين الخطأ ؟ هل فقدنا الصلة بأنفسنا أم أن كتاب الدراما ومخرجي المسلسلات لم يعودوا كما كانوا؟ أهو تدهور في فن الأداء؟ لماذا نتفاعل إذن مع شخصيات الدراما العربية؟ لماذا أحببنا المعلم عمر في "ليالي الصالحية" وكرهنا "الاحدعشري" في " باب الحارة " ؟ لماذا بكينا حين مات " سلّام " في" شيخ العرب همام " وكركنا كثيرا مع " أبو جانتي" .
أين المشكلة ؟ لماذا لم نعد نطيق سوالف الأطفال في "وكر الذيب" أو حضور السذاجة في" فاتنة بغداد" أو المبالغة في التسييس في "الباب الشرقي" ؟ لماذا بتنا نحزن ونحن نرى المسلسلات التاريخية القائمة على التزوير والسطحية والبلادة ؟
أسئلة أثارتها أعمال رمضان ما عدا "أبو طبر" لحامد المالكي، نعم، فهذا السيناريست هو الوحيد الذي يمثل امتدادا لتاريخنا الدرامي على قلة التماعاته، لكنه مؤلف غير محظوظ فهو إلى اليوم لم يجد جهة إنتاجية تحترم نصه وأكبر دليل على ذلك عمله " أبو طبر" .
عدا هذا الكاتب، ثمة هواة يتعلمون الحجامه برؤوس اليتامه ، لا يجيدون رسم شخصية ، ولا يفرقون بين عقلية الريفي وابن المدينة أو المثقف والعامي ، وإلا بربك كيف يتسنى لرجل في قرية نائية أن يفلسف شخصيته وشخصية زميله فيقول للأخير: ماكو فرق بيناتنه ، أنت تحب السلطة وأني أحب الفلوس ! كان ذلك في مسلسل أسمه "وكر الذيب" اضطررت لمتابعته لأن أطفالي يحبونه. الخطأ الأساس في المسلسل المذكور أن منطقه شبيه بالأعمال البدوية لكن أجواءه تجري في قرية جنوبية ومع ذلك يمكنك أن تسمع أحدهم وهو يقول لأخته ـ أنت شبيج متحامله عليه ! أو آخر يقول لحبيبته ـ لا تغالطين نفسج !
هل سمعتم في حياتكم ريفيا يقول ـ لا تغالطين نفسج ؟
لا أريد أن أتحدث أكثر لكنني سأتوقف عند ما ابتدأت به وهو الملامح التي تعطي للشخصية لحمها ودمها بحيث لا تبدو شبيهة بأخرى. هذه ربما المشكلة الأولى عندنا إذ يبدو أن المؤلفين لم يفقهوها بعد بل لعلها لم تخطر في أذهانهم .
ورغم أنني لست متخصصا لكنني أعرف أنك كروائي إذا ما رسمت شخصية ما فعليك أن تميزها جيدا بالخطوط الجانبية ، كيف تتحدث، كيف تتهكم، كيف تفكر، كيف تحلّق في أفقها المحدود ، كيف تتذمر، كيف تصف، كيف تستخدم بلاغات اللغة، كيف تعبر عن كرهها أو حبها، لا بل يصل الأمر إلى ترسم طريقتها في المشي والجلوس والرقاد وطبيعة الملابس التي ترتديها.
حقيقة الأمر أنك إذا نجحت في رسم كل هذه الخطوط ستستطيع ، ليس فقط، الاستحواذ على المشاهد، بل تحريضه على التوقع ، توقع ما ستقوم به الشخصية انطلاقا من خصائصها .
أكاد أجزم أن بعض المؤلفين ربما لم يفكروا بشيء من ذلك وهم يكتبون أعمالهم ولذا جاءت الأخيرة مسطحة وساذجة وغير قابلة للحياة ..مع تحياتي!

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق