الأربعاء، 24 أغسطس، 2011

بعد عام على عرض مسلسل السيدة
ونقلا عن صحيفة المدى البغدادية


الـســيـــدة.. مجتمع مصغّر يعيش فـي الماضي

بتاريخ : السبت 20-08-2011 05:50 صباحا


حميدة العربي
لندن
وجد كتاب الدراما في السياسة وأحداث العراق عالما واسعا يغرفون منه بلا حدود ولا قيود ولا رقابة. فصار  كل كاتب يتناول قضية ما ويطرحها من وجهة نظر الخاصة وموقفه إزاءها، بغض النظر عن الحقيقة الموضوعية.

ومن الأعمال التي عرضت مؤخراً مسلسل (السيدة)، وهو من تأليف حامد المالكي وإخراج غزوان بريجان. وفيه لعب المؤلف على وتر السياسة الذي يطرب له العراقيون.ويروي حكايات عن ماضي العراقيين المقيمين  في حي السيدة زينب بريف دمشق، واختياره عائلة غنية جدا، تقيم في سوريا منذ السبعينات، تأكيد على أن الهدف هو السياسة وليس معاناة المهاجرين العراقيين.. رغم وجود نماذج أخرى، ثانوية، لها علاقة بتلك العائلة بشكل أو بآخر.وقد تناولت الفكرة طرحا واقعيا ورمزيا في آن واحد.. واقعيا أكد أن مأساة العراقيين بدأت منذ زمن طويل وليس بعد 2003 ،وان ما يحدث الآن هو نتائج وتبعات لما حصل في الماضي. ورمزيا فإن تلك العائلة وطن مصغر يمتلك الثروات المادية والبشرية، إلا انه لم يستفد منها ولم تتغير حياته ايجابيا. فأبناؤه إما كسالى اتكاليون او متهورون أو سلبيون يعيشون في الماضي ومنشغلون بالتفكير به. يبددون الحاضر ويهملون المستقبل، جهلا به او لامبالاة  بأهميته. فالابن الأكبر سعد، اتكالي كسول بلا أهداف، يقف حائرا إمام مشاكله وينتظر الأحداث تطرق بابه. والأوسط هشام، أيضا بدون أهداف، ضائع، معربد، لا يعمل ولا يحب العمل.. وتبنيه فكرة الانتقام لعمه، في ما بعد، نابعة من نزعته الشريرة وليس من سعيه لكشف الحقيقة! أما الأصغر وائل، ورغم انه العامل الوحيد في العائلة، بدكان أبيه، إلا انه متهور وصبياني السلوك، وخطوته بالزواج سرا من فتاة عراقية، وما أعقبها من تبعات، دليل على ذلك. حتى شخصية الأب نعمة والتي تذكر على أنها هتلر، غير مستوفية للشروط الدرامية التي تؤهلها لأن تفرض سلطتها على العائلة. فكانت سلطته دعائية، لا ينفذها احد، كنمر من ورق، يضعه المؤلف أمام إحدى الشخصيات لإعاقتها، مؤقتا، حتى تتمرد عليه. كما حصل لهشام الذي سافر إلى العراق رغم معارضة الأب، وزواج وائل السري الذي فرض عليهم وتقبلوه بانصياع . وتمرد رولى، زوجة الابن، وتركها البيت!وظهرت الشخصيات، وكأنها لا تعرف ماذا تريد، بلا أهداف واضحة، وبدا وكأنها جميعا قد تعرضت لما يشبه الصحوة. فالأب نعمة وبعد عشرين عاما على إعدام أخيه (وسام) في العراق، صار يرى كوابيس انتقلت عدواها إلى الابن العابث هشام وصار الاثنان يريدان العودة إلى العراق للانتقام من القتلة ( غيرالمعروفين ).. الابنة وجدان، انتبهت بعد عشر سنين إلى أن زوجها سكير وصارت تنتقده وتتشاجر معه ليخرج غاضبا مترنحا، فيتعرض لحادث أودى بعقله، ما دفعه للانتحار فحمّلت نفسها مسؤولية غير مباشرة عن ذلك!العائلة التي تركت رضيعها أمام مقام السيدة، تذكرته بعد 12 سنة وتشوقت له وصارت تريد إعادته إليها ( لأنها تريد الهجرة إلى أمريكا ). وسارة، ابنة المغدور وسام، أفاقت بعد خمسة وعشرين عاما وطالبت أمها بصور أبيها وأوراقه. حتى عليوي، الشيخ المفجوع بأبنائه الأربعة، قرر بعد خمس سنوات من غرقهم، في حادث السفينة المشهور، أن يلتحق بهم. والمفروض أن يكون رد الفعل بعد الفعل مباشر!وما يحسب للعمل وللمؤلف انه كشف ذلك التناقض المحتدم بداخل الشخصية العراقية، من خوف وإقدام، عربدة وتدين، خشونة ورومانسية. تمثل ذلك التناقض بشخصية محمد، الملقب بالدكتور لمهارته في التزوير (وخصوصا جوازات السفر التي يبيعها للعراقيين الراغبين بالهجرة إلى أوربا)، فهو متدين ومزوّر بنفس الوقت! وكذلك هشام، العابث، حنون جدا ومتعاون بشهامة مع من يحبهم.. وقاس، لحد القتل، مع خصومه !  وكشف أيضا عن إحدى وسائل النظام السابق للإيقاع بمعارضيه، من خلال ما يسمى ( بنقطة العسل).وثبّت، وربما لأول مرة، مبدأ التسامح ونبذ عقيدة الثأر.. فقد قال نعمة ( نحن العرب، الثأر عندنا عقيدة ) إلا انه تغيّر ونبذ تلك العقيدة بعد أن حكّم عقله.. ولعلها من المرات القليلة، النادرة، التي تتبنى فيها الدراما العراقية، نهجا من هذا النوع.وتداخلت، عند المؤلف، الدراما بالميلودراما، فكان المستوى متذبذبا من خط إلى آخر.. وبعض المواقف والمشاهد جاءت مفتعلة آو ركيكة المعنى والإيحاء مثل مشهد الراقصة التي باتت ليلتها عند المزبلة تتربص بها الكلاب . و استخدام الكلاب كرمز للتوحش غير موفق، فالكلب حيوان أليف، صديق للإنسان.. ولو وضع، أمامها،   بشرا حقيقيين، يتصرفون كالذئاب. لكان المشهد اشد وقعا وأقوى تأثيرا .ومهما كان ثقل المرأة الاجتماعي وأهمية دورها في الواقع إلا أنها تظل، اجتماعيا وفعليا، تابعة للرجل. في المجتمع الذكوري ،كما في اغلب الأعمال العراقية، فإن الشخصيات النسائية ليس لها دور أساسي أو فاعل. فهي سلبية وهامشية أو مكملة للصورة. لكن المؤلف حاول تقديم صورة مثالية للفتاة العراقية الرافضة للانصياع للظروف بشخصية تميز العمل بالصورة التقليدية والإيقاع الرتيب، إلا أن الإضاءة الفنية الجميلة منحت الكثير من المشاهد إيحاءً معبرا وخصوصية متفردة، وجاءت النهاية أكثر من تقليدية حين استخدم المخرج أسلوب السلايدات الإخبارية، التي ظهرت على جانب الشاشة، لإيصال معلومات عن مصائر الشخصيات مثل: محمد تمت إحالته إلى المحاكم المختصة.. رولى تحجبت وتفرغت للصلاة والتبتل.. وسام الصغير أعيد إلى أهله.. الخ من المعلومات التي حولت النهاية إلى لقطات وثائقية لا اثر فيها للدراما!..مسلسل (السيدة) سلط الضوء على ماضي المهاجرين واهمل معاناتهم في الحاضر، وهم يكابدون.. بين صعوبة العيش وصرامة القوانين!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق