السبت، 27 أغسطس، 2011

مسلسل أبو طــــــــبرنجح في تجسيد الظاهرة وأخفق بالتوافق مع المكان

 نقلا عن صحيفة الصباح البغدادية

28/08/2011
فؤاد العبودي
يبدو أن المسلسل التلفازي "ابو طبر" على الرغم من تناوله لحقبة مظلمة من تأريخ العراق فضلاً عن ظلامية النظام الدكتاتوري ذاته..يبدو انه يحمل الكثير من الوقفات التي من شأنها تحديد ما اذا كانت فقرة "ابو طبر" هي تمهيد لاسلوب الطاغية صدام في زرع الخوف والرعب في نفوس العراقيين،حيث كان يعمل في ظل احمد حسن البكر الذي كان لايؤخر ولايقدم في عجلة مسيرة العراق.مع كل هذا فقد احسن المؤلف "حامد المالكي" في
 رسم الخطوط العريضة لتلك الحقبة من نظام دموي بدأت تباشيره تلوح في الافق قبل ان يتسلم "صدام" زمام الامور كرئيس للنظام.ان تلك التفاصيل الدقيقة جداً من حيث تناولها تعطي للمشاهد ومن خلال ما يدور من احاديث بين رجال الامن وعناصر المخابرات ان شخصية "ابو طبر" هي من صنع نظام كان يعمل في الظل من نظام الرئيس احمد حسن البكر وان صدام كان يخلق حكومة داخل حكومة واستحوذ على العديد من المفاصل المهمة لجسد الدولة وجَيرّها لحساب تشكيل منظومة ارهابية لاتتوانى عن القتل وترويع الناس ومن بينها شخصية "ابو طبر".
في مجال استعراض عناصر العمل التلفازي، الذي لاحظنا اهتمام الناس به ليس لانه متكامل مائة بالمائة فنياً، بل لان ظاهرة (ابو طبر) والتي كانت مثار تساؤلات العراقيين في حينه، هي التي استحوذت على اهتمام المشاهدين وارادوا من خلال اهتمامهم ذاك الوصول الى استنتاجات تشبع التساؤل الكبير وهو هل ان "ابو طبر" مجرد ظاهرة عابرة جاءت من فراغ او هي من صنع الطاغية صدام الذي كان يهيئ مستلزمات الاستيلاء على الحكم.واذا كان اختيار الممثلين قد جاء عبر نظرة مشتركة بين المؤلف "حامد المالكي" والمخرج "سامي الجنادي" فهذا امر لابأس به.. لان اكبر الظن ان المخرج قد لايعرف الوجوه الفنية معرفة دقيقة بأعتباره مخرجاً سورياً وتبقى مسألة تحريكه وتنشيط الاداء بالتالي هي المهمة الرئيسة له. لقد توزعت البطولة في المسلسل على عدة وجوه فنية عراقية ومع ان الفنان كريم محسن هو فنان معروف في عدد من الاعمال الفنية الناجحة ،الا ان الفنان الشاب "حسين عجاج" الذي ادى دور "فتاح" الشخص الذي يبهرك مظهره،لكنه يعمل في الخفاء كأحد اللصوص..هذا الفنان كان في ادائه قد تجاوز ، انه فنان لديه قدرات عالية جدا على التعبير الدرامي مضافا اليه خفة الظل في مواقف اخرى قد لانختلف عليها ان طغت واحدة على الاخرى.
كذلك الفنان كريم محسن "زهران" الذي كان يشغل منصب "عميد" في جهاز المخابرات استطاع ولو بالحدود المرسومة له من خلال ادارة المخرج ان يصور للمشاهد تلك الحياة المختلطة بين عمله الخطير وبين قضاء اوقاته في محيط الراقصة وصاحبة المنزل المشبوه "دلو"... وكان على المخرج ان يعطي للفنان كريم محسن مساحة اوسع من تلك السطوة والعنف الذي عرفناه في شخصيات عناصر المخابرات (العراقية ايام حكم صدام).كما استطاعت الفنانة "هند طالب" التي قامت بدور "دلو" على تجسيد الدور بكل تفاصيله..واثبتت نجاحها فعلاً في اداء الشخصية بتلقائية رائعة وبأسلوب ايجابي سجل لصالحها..كذلك كنا امام عدد من الفنانين الشباب منهم الذي ظهر لاول مرة على ما اظن ومنهم الذين قدموا اعمالا شاهدناهم فيها بشكل جيد..فكان "لميثم صالح" الذي قام بدور "راهي" دوراً مقنعاً نوعاً ما واحسب ان هذه المساحة من عطاء "راهي" هي رهن بما سمح به المخرج الجنادي...
واذا كان الثناء على المسلسل قائماً من خلال اعجاب الناس والذي اسلفت القول ان هذا الاعجاب جاء من خلال البحث عما اذا كانت شخصية "ابو طبر" من صنع صدام ام لا.. لكن في كل الاحوال فأن ما حمله المسلسل لم يكن غريباً على الذين عاشوا فترة تلك الظاهرة.
اما الفنان كريم عواد فقد كان وكما عهدناه فناناً مرموقاً بأدائه للشخصية البغدادية على قصر دوره مع ذلك الشاب السياسي، الذي كان يتحاور معه في جلسات المقهى.. ودور الرائد "صبحي" الذي اداه بنجاح الفنان سعد محسن،ولايجوز لنا هنا لوم الفنانة القديرة الرائعة ناهدة الرماح على دورها القصير وهي ام فتاح إذ أن هذا الدور القصير جدا بمساحته الادائية لم يقلل من شأن ومكانة فنانة عراقية جديرة بالاهتمام مثل "ناهدة الرماح" التي تشهد لها اعمال فنية سابقة بقدرتها على تجسيد ما يناط من ادوار للقيام بها كـ"النخلة والجيران" المسرحية التي ظلت ولاعوام حديث الناس على اداء كل من مثل فيها.
ويأتي الفنان د.عبد المطلب السنيد ليعطي مثلاً آخر على روعة وهدوء الاداء بعد ان كنا قد شاهدناه من قبل في تأدية شخصية "هلال" التي مازالت شاخصة في مخيلة المشاهدين الذين عاشوا فترة تلك الاعمال الرائعة.
لكننا سنظل نصر على ان المكان –البيئة العراقية - هي مصدر المسلسل المهم في هذا العمل وقد غابت بفعل تصوير المشاهد في سورية، الامر الذي جعل تكوين العمل ناقصاً...على الرغم من حرص المخرج على إظهار مقاطع من الجدران والازقة تتشابه في منظرها العام مع اجواء مدينة بغداد... لكنها لاتعطي عنصر التكامل الفني من حيث المكان الاصلي..لا سيما اننا بحاجة الى اعمال فنية تتناول حقباً تأريخية مهمة من تأريخ العراق.. اعمال صادقة بعيدة عن  الافتعال او الخروج عن دائرة تصديق المشاهد..بمعنى اخر بعيدة عن التسطيح والاثارة غير المنطقية...ولأننا نسبياً نعيش اجواء قريبة من الاستقرار الامني فلا بد للاعمال الفنية اللاحقة ان يأخذ القائمون على تنفيذها اهمية المكان الاصلي لانه يشكل عنصر استكمال ايجابي لكل عمل فني.وفي مجمل القول..فأن الشخصية الرئيسة وهي "ابو طبر" التي قام بأدائها الفنان كاظم القريشي مع الاسف كانت شخصية "شبحية" نعم كان صحيحاً ان يظهرها المخرج بذلك.. لكنه لم يقدم تفصيلاً اكثر لهذه الشخصية..علاقاته..تحركاته.. خاصة وان التساؤل الكبير لدى المشاهدين كان ينصب حول "من هو ابو طبر".. فكان الاجدر بالمؤلف ان ينعطف الى هذه الناحية المهمة.. وعلى الرغم من مرور عقود طويلة كان المشاهد ينتظر جواباً على تساؤله عن "ابو طبر" وهذا لم يحدث مع الاسف

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق