الثلاثاء، 16 أغسطس، 2011

مسرحية العربانة





نص مسرحي

لحامد المالكي







بيت عراقي ما، بيت إنسان فقير، لا شيء غير جدران متآكلة وستائر متهرئة وبقايا أثاث وجهاز تلفزيون لا يبث طول فترة العرض سوى نشرات الأخبار المتعلقة بأحداث تونس ومصر بما يعرف بإسم (ثورة الياسمين)... هنالك في ركن المسرح عربة خشبية مليئة بخضار بائتة وذابلة. إحساس بالفقر والعوز والمسكنة يسيطر على المكان.

يدخل (حنون) إلى المسرح وهو يحمل بيده تنكة بانزين أو نفط. انه رجل رث الثياب في متوسط العمر.

حنون: (صارخا) ولج عوفيني.. عوفيني بنت الكلب.. عوفيني أحركـ روحي

(تدخل خلفه زوجته المفجوعة (فضيلة) وهي تجرجر خلفها أربعة أطفال يبكون هم أولاد حنون)

فضيلة: ولك حنون تخبلت..

حنون: لج عوفيني لا أطلكج.

فضيلة: تطلكني وتحرك روحك، خايب شمالك، أنت سكران ولك سكران وما تدري بروحك ليلية تشرب لك          بطل عرك وتنكلب علينا طنطل، ولك أنت ما تستحي؟

(حنون ينتبه مع كلمة ((سكران)) وينظر إلى طاولة قريبة من جهاز التلفزيون عليها قنينة عرق (العصرية) وهي فارغة تماما وبقايا مزة في صحون صغيرة. حنون يقترب من الطاولة. يرفع زجاجة العرق الفارغة)

حنون: هيا إبن سير النعال. شارب البطل كله.

فضيلة: (للأطفال) خايبين اسكتوا.

حنون: شارب البطل كله فضيلة وما سكران (يبكي)

فضيلة: ولك شلون يصير السكران بعد؟ ولك أنت عندك قلب والدكتور كالك لا تشرب عرك تموت بفراشك.

حنون: لج هو كل ما يكوله الدكتور صدك؟ كالي لا تشرب عرك مو تموت. جا ليش ما كلي لا تدفع      عربانتك         بالشوارع...                         

(يدفع عربة الخضار بالمسرح كالمجنون، العربة تصدر صريرا حادا ومزعجا وهو يصرخ بهستيريا)

حنون: (صارخا) جا ليش ما كلي لا تدفع عربانتك بالشوارع. خاف .

فضيلة: خايب حنون شهرتنا الناس منا تسمع. خايب عيب من الجيران.

(حنون يدفع زوجته ويرفع تنكة النفط ويسكبها على رأسه)

الأطفال: بويه.

فضيلة: (تصرخ) يا.. خايبين تعالوا لي الزلمة تسودن.

حنون: عوفيني خايبة أحركـ روحي.

(حنون يحاول إشعال عود الثقاب وفضيلة تتشبث بيده وأطفاله يتشبثون بأذيال ثوبه)

الأطفال: بويه.. بويه.

حنون: عوفيني خايبة الفقر كتلنا. ولج صرنا مضحكة لليسوى والمايسوى.

فضيلة: ولك سودنتك الأخبار أبو العرك.

حنون: (يهدأ) أبو العرك. ولج هو حتى العرك منعوه. إللي يبوك يصير مهم. يطلع بالتلفزيون وإللي يكتل          يكوم يلبس قاط والكامرات تطك له صور، بس اليشرب عرك حتى ينسى إللي باكه وإللي يريد              يكتله يسموه أبو العرك والنوب منعوه حتى من العرك، حتى ما ينسى.. أي ولج حتى ما ينسى ويظل       خايف ولا بد بحضن مرته... خايبه اكلج عوفيني أحرك روحي جا بو عزيزة مدري شسمه أحسن          مني

(يهم بإشعال عود الثقاب، تهجم عليه فضيلة وتمسك يده)

فضيلة: ولك يا مسودن راح تحرك روحك وتحركنا وياك ولك نام. ولك أنت سكران ما تدري بروحك،               يبوووه. هاي وين جانت لي يا ربي.

(حنون يقع أرضا يبدو أن السكر قد تمكن منه، فضيلة تنام كي تمنعه من الحركة)

فضيلة: نام ولك.. نام خويه. أبوس إيدك.

حنون: أريد أشوف الأخبار.

فضيلة: خايب عوف الأخبار هسه. نام ولك واستر علينا. ولك كلك ريحه نفط، أنهجم بيتك هنه نفطات              أخذناهن من الجيران بالدين هسه منين نجيب يا مصخم.

حنون: أريد أشوف أخبار. الجزيرة. فتحي الجزيرة، لا. لا..  هاي ما جانت زينة ويانا. العربية. إي أشوف         العربية.. لا.. هاي من ماتت البنية الحلوة إلي جانت تشتغل بيها.. بعد ما شفتها. الحرة، إي الحرة،         أشوف الحرة، أشوف الحرة، لا. هاي يكولون أمريكية وكل شي أمريكي ما أريده. جا آنا شخذت            شنطيت من أمريكا.

فضيلة: ولك أنعل الشيطان ونام. باجر ورك فرة بالعربانة بالشوارع والخضرة مالتك الما بعتها اليوم كلها          بايته وباجر كلها تذبها بالشارع. وولك منين تجيب فلوس للخضرة الجديدة. خلي العرك يفيدك

(بينما فضيلة تولول وتعدد نكباتها يغص حنون في نوم ثقيل ويبدأ بالشخير)

فضيلة: ها.. نمت؟ نامت عليك طابوكة. احا.. موتني. النوب يريد يحرك روحه. ولك مسودن ما عندك              رحمة لا على نفسك ولا علينا.. ولك هلبت حوسمت ويا الحوسموا وبنيت النا صريفة بالجول               تستر علينا أحسن من هاي الغرفة الي ما ندري منين نجيب إيجارها. من امداك، آخذ الفروخ ونام          بالسطح وأنت ابقى هنا كابل بطل العرك والأخبار.. هذا حظي.

(فضيلة تسحب أولادها وتغادر الغرفة، يقوم حنون من فراشه، وبطريقة فنية يبقى حنون آخر نائم على الفراش، حنون هذا الذي يقوم هو حنون الروح والذي بقي في فراشه هو حنون الجسد، لقد مات حنون، حنون الروح بعد أن يقوم يتوجه الي باب الغرفة خلف زوجته، انه يتكلم باللغة الفصحى اعتبارا من هذه اللحظة)

حنون: (خلف زوجته) فضيلة.. يا فضيلة، تعالي يا فضيلة قلبي يرفس في صدري. أنا اختنق يا فضيلة..

(حنون يلتفت ويرى نفسه نائما في فراشه، يندهش)

حنون: من أنت؟ من أنا؟ أنا.. أ.. أنا حنون صاحب هذه العربة. لي عمرٌ وبعض سنين أدفع بها في طرقات          المدينة حتى صار قلبي ينبض على إيقاع صرير عجلاتها فأعطوني علاجا و... و... ومنعوني من          شرب العرق خوف أن... أن... من أنت؟

(حنون يتلمس جسده ليتأكد من انه شيء له وجود. يركض وهذه المرة في حركاته لا توجد أي دلالة على انه سكران، يركض باتجاه جثته، يقلبها، يقف صارخا)

حنون: يا الله.. هذا. هذا وهم، جنون، جنون عراقي بامتياز.. يا الله... من أن؟ من هو.. فضيلة.. فضيلة..

(حنون يركض نحو باب الغرفة، يحاول أن يفتح الباب لا يفتح، يطرق الباب بقوة)

حنون: فضيلة، إفتحي الباب يا فضيلة، عجلة قلبي توقفت عن الصرير يا فضيلة، أين أنت يا حبيبتي؟ أنا..         أنا أختنق.. أختنق.. أختنق.

(حنون يقع أرضا وهو ينظر من حوله منذهلا. يشم ثيابه)

حنون: أذكر إني أردت تقليد محمد بو عزيزي فسكبت على جسدي نفطا معارا من الجيران كي أحرق نفسي وأخلص من عذاباتي، مالي لا أشم رائحة النفط في؟

(يزحف على رجليه وذراعيه باتجاه جثته، يشم الجثة، يشم رائحة النفط)

حنون: هي، أنت، أنت، أعد لي نفطي، على الأقل رائحته. ولد الكلب في بلاد النفط نحرم حتى من رائحة          النفط.. أعد لي الرائحة يا كلب.. (يصرخ) ولج فضيلة، مات زوجك حنون، مات زوجك حنون قبل         أن يحرق نفسه، قبل أن يحقق عشر أحلامه، قبل أن يصبح شيخا عجوزا يجلس على قارعة الطريق        يرقب أحفاده يلعبون الكرة في الزقاق، قبل أن يرى وطنا خاليا من العربات، العربات، العربة..             العربة العربة..

(حنون يركض بإتجاه العربة يمسكها، يدفع بها، هذه المرة إطارات العربة لا تصدر صريرها المزعج الذي سمعناه أول مرة)

حنون: يا فضيلة.. يا فضيلة، إستمعي إلى صوت العربة، صارت مثل قلبي بلا معنى. كل شيء هادئ يا             يا فضيلة كل شيء هادئا مثل قلبي

(يدفع العربة بقوة جانبا ويبدأ بالصلاة بهستيريا)

حنون: الآن تأكد لي يا فضيلة، أنا ميت، وعربتي ماتت معي، لم تعد تئن يا فضيلة، استغفر الله ربي وأتوب إليه، الله اكبر، الله اكبر. قد قامت الصلاة، وما قامت الحياة في بلدي الذي يقاس على مدى ونوعية صلاتك، الله اكبر، الله اكبر، اشهد أن لا اله إلا أنت ربي لا تتخلى عنا نحن فقراء بلاد النفط أشهد أنك يا محمد رسول الله، كيف صبرت يا سيدي ومولاي على لصوص بلادي يسرقون القداسة ويرتدونها أقنعة تخفي خلفها سكاكين قطع الرؤوس بإسمك يا سيدي ومولاي، حي على الصلاة حي على الحياة الله أكبر من كل كبير فلماذا صار الصغار يضحكون على حنون وهو يدفع بعربته تمر بين الأزقة وهم يعبرون بسياراتهم الفارهة؟ أويلي الله سياراتهم ذات الدفع الرباعي وعربتي ذات الدفع الروحي، بروحي كنت أدفع العربة يا الله كي أرجع لفضيلة برغيف خبز ولأولادي بثياب مستوردة، لكنها مستخدمة ولي بزجاجة عرق أشربها كي أنسى أني اليوم مررت بقرب عبوة ناسفة أجلت انفجارها لأحبابي بل لأن القدر وحده كان يريد أن يمنحني فرصة أخرى لحياة كلها ذلا وتعاسة وشعارات بالله ما أنزلت أنت بها من سلطان. ولج فضيلة، حنونك مات. حنونك مات...



(تدخل فضيلة إلى المسرح قلقة. حنون  ينظر إليها. فضيلة تنظر إلى جثة زوجها)

فضيلة: حنون. خايب حنون. أشو الليلة ما تشخر؟ خوية.

(تقترب منه بحذر، بداخلها تشعر إن حنونا قد مات لكنها تريد أن تقنع نفسها بأنه حي)

فضيلة: أنهجم بيتج. من يوم ما خذيتك وأنت تشخر. تكول خالك سيارة ديزل مال جيش

بخشمك. شجاك اليوم ساكت. ها ولك حنون. متت؟! حنون. خايب حنون. تعالوا                 ليّ. الزلمة ما يحجي. حنون (تصرخ) ولك حنون.. حنون.. حنون.. حنون

(تبدأ فضيلة بتحريك الجثة وهي تصرخ بأعلى صوتها بإسم زوجها  ولما تتأكد بأنه ميت تبدأ باللطم وتقطيع ثوبها وشعرها وحنون ينظر إليها مندهشا، يبدأ بتقليدها وهي تلطم، لا       حركة كوميدية في هذا المشهد الحزين)

حنون: يا مجنونة. أنا هنا بقربك ألا تريني. أنظري أنظري أنا الطم مثلك (يلطم) حوي

حوي حوي.

فضيلة: (للجثة) ولك خوية حنون. إلمن عفتني ورحت؟ ولك لياضيم عفتني؟ وين أروح

من ولد الجلاب، شلون أربيلك جهالك؟ ولك حنون لا تروح.

(تقف فضيلة وتبدأ باللطم وإنشاء أقاويل وأشعار الندب الجنونية المعروفة)

فضيلة: تون عليك البصرة والعمارة

تون عليك البصرة والعمارة

حنون: بنت الكلب من يئن على دافع عربة، وضع فيها سنين عمره وراح يدور في                     الشوارع يعرض بضاعته للبيع، من يشتري حفنة عمر ضاعت مني الخنادق                   والبنادق، من يشتري حفنة سنين بعثرتها أحلام الجنرالات والانكسارات وال...

فضيلة: (تلطم وتنشد)

لا شافنا ولا شفناه

ولا توادعنا وياه

حنون: كفى يا فضيلة، كفى، أنا لم أمت الآن، أنا متّ مذ أن ولدت في هذا الأتون                       المشتعل. ياالله، ياالله لو كنت أعرف أنك قدرت لي عربة أدور بها في الشوارع                   أبيع فيها الخضروات

فضيلة: (تنشد بصوت شجي وحنون يستمع إليها بإستغراب)

معزب والعزوبية ترس ثوبه

ولد هدوا عمامه يصير جيدومه

حنون: معزب، بماذا أعزب يا فضيلة؟ لا أملك إلا الطيبة والسذاجة. أي صحن يستوعب              طيبتي وسذاجتي والناس من حولنا تفلسف الخراب وتصفق لمن يخلع أبواب                  الضمير ويسمح للصوص الليل بنهب كل ما في روحه من عفة. يا فضيلة وأي                أعمام (يهدوا) معي؟ كنت أطرق باب العشيرة لا أرى إلا شيوخا يردحون أمام القتلة          ويلوحون ببيارق النفاق كي يعبر الرئيس بسيارته الفارهة وسيكاره الكوبي يحرق ما         تبقى لدينا من أحلام هي هي هي. 

(يبدأ حنون بتقليد شيوخ العشائر وهم يهوسون واضعين أيديهم على العقال بينما فضيلة      تواصل النعي والبكاء على جثة حنون غير عابهة بحنون الروح وهو يهذي بكلمات تتداخل   فيها العذابات والألم)

حنون: فضيلة، فضيلة أستودعك أولادنا يا فضيلة..

(فضيلة تصرخ صرخة قوية، حنون يقفز بطريقة مضحكة)

حنون: اشتعلوا أهلج

(يدخل مجموعة من الرجال وهم يرتدون اللثام (اليشماغ) يرفعون حنون على سدية أو أي خشبة مسطحة وهم يرددون ((لا اله إلا الله، لا اله إلا الله)) ثم تدخل أصوات      (( إكرام الميت دفنه)) فضيلة تصرخ. أطفالها يلتحقون بها وهم يسيرون وراء الجنازة ويبكون وكل ذلك وحنون ينظر إليهم مندهشا، المسرح يخلوا إلا من حنون)

حنون: لقد أخذوني، هي، أنتم أين تأخذون بي؟ أنت أيها الفيلسوف. إكرام الميت ليس                   بدفنه، إكرام الميت أن تسأل بعده. لم مات؟ أيها الفيلسوف الفهيم.

(حنون يجلس على الأرض)

حنون: سيدفنوني، سيضعون فوق جثتي أطنانا من التراب. كأن تراب الحياة الذي دفنني                كل هذه السنين لم يكفِ حتى صاروا يبحثون عن حفرة بالكاد تكفيني. إلطمي                   إلطمي يا فضيلة، وحدها الزوجة تحزن على الموتى، وحدها لها الحق أن تبكي                 وتولول، الأم تبكي بالسليقة، بالعادة، بالروح. فروح إبنها جزء من روحها. لكن               الزوجة تبكي حبا ستدفنه تحت الأرض. جناحا كانت تذود به ذات حياة. ستكسره              معاول الدفان وتهيل فوقه التراب، وسيأتيني كما يقولون منكر ونكير. ويسألاني              عن ماذا ستسألان؟ عن عمري أين قضيته؟ سأقول لكما..

(يدخل المعلم، سبورة تنزل كخلفية للمشهد، المعلم يرتدي قبعة)

حنون: قيام.

(حنون يقف)

المعلم: دار.. دور.. دوران..

حنون: دار.. دور.. دوران..

المعلم: ما معنى الدار يا ولد؟

حنون: وطن

المعلم: إنجب. الدار.. دار.. بيت.. بيت إللي خلفوك مثلا.

حنون: يا معلمي.. الدار وطن، فإذا لم يكن لك دار فإنك بلا وطن، وإذا كان الدار الذي                 تسكنه دارا مستأجرة فهذا يعني إن وطنك مؤجر.

المعلم: أش، خلف السبورة أذان تسمع. قم وأكتب يا حنون.

(حنون يقف وهو يقلد حركات طالب في المرحلة الابتدائية والمعلم يدور في المكان وهو يحمل عصاه يضرب بها راحة يده، المعلم يردد هذه الجملة وحنون يكتب)

المعلم: القناعة كنز لا يفنى

(حنون يكتب هذه العبارة وينتفض)

حنون: كيف، كيف يا أستاذ؟ هذا كذب، كذب، هم  يريدوننا أن نقتنع بهذه التفاهة التي                   إسمها حياة وهم لهم السيارات الفارهة والقصور العملاقة والعطور الساحرة                    ونساء الليل يهزون بنهودهن الكواعب أمام شفاه المسؤول النهمة. هم لهم كل شيء ولنا الفقر وعلينا أن نقنع لأن فقرنا كنز لا يفنى، كيف هذا يامعلم؟

المعلم: أش، تحت الرحلة تجلس عليها. عيون ترقب. أكتب يا ولد، إن النجاح لمن جدّ                  وجد..

(حنون يكتب إن النجاح لمن جدّ وجد، يتأملها، يضحك)

المعلم: لماذا تضحك يا حنون؟

حنون: هل صدر مرسوم جمهوري بمنع الضحك يا معلم؟ هذا.. هذا الشعار يضحكني. يا              معلم، ليس النجاح لمن جدّ وجد، إن النجاح لمن حظه كعد، وحنون عاش عمره               بلا حظ، فأي حظ لإنسان يولد قبل حرب ويعيش في حرب ويكبرفي حرب حتى كأنه           يرضع مع حليب أمه الدم والبارود، ويسمع مع (دللول) أمه نحيب الصواريخ تزور          المدن ليلا لتزرع قطع النعي السوداء على جدران المدينة. ويموت في حرب لم يفهم          فيها إلا المشهد الأخير، جنرال ومشنقة وصمت كصمت القبور. أي حظ لإنسان كل            خطواته يمشيها ليعبر منها الآخرون، يا معلم، قالوا بعد ما كبرنا إنك كبرت..

(المعلم يبدأ بالتحرك بقامة محنية بسبب الذل وتقدم العمر، العصا التي بيده تتحول إلى عكاز)

حنون: نعم، كبرت يا معلم وما عاد الراتب الشهري يكفيك، وإنك يا معلم كما عرفنا،                   بقيت  تخشى الأذان خلف السبورة والعيون تحت الرحلات والكراسي، حتى دخلوا              عليك ذات غفلة وإعتقلوك

(يدخل أربعة رجال يرتدون ثيابا مدنية ويشهرون المسدسات على رأس المعلم، يخرجون والمعلم معهم)

حنون: قالوا.. عدموك.. دفنوك.. صرت وحدك مقبرة جامعية، عثروا على عظامك،                  عرفوك من قبعتك المميزة، دفنوك بكرامة وإنتهى كل شيء. كنت أتوقع أنهم                   سيطلقون إسمك على شارع من الشوارع، أو على الأقل يسمون المدرسة بإسمك،            أطلقوا أسماء المقدسات على الشوارع والمدارس ونسوا من مات بسبب هذه                  المقدسات وبدلنا عليوي بعلاوي.. بدلنا عليوي بعلاوي.

(يدخل المعلم من جديد. هذه المرة يسير بكبرياء وهو يحمل العصا يضرب بها براحة يديه، حنون لا ينتبه إليه)

حنون: عن ماذا ستسألاني يا منكر ونكير؟

(حنون يلتفت إلى المعلم. يفرح)

حنون: المعلم

(المعلم يمسك بدلته ويقطعها كاشفا عن زي عسكري برتبة عريف. يمسك قبعته، يقلبها. تصبح بيرية عسكرية، يتحول إلى عريف)

العريف: إستاعد

حنون: (يستعد) عاش البعث

العريف: إستريح

حنون:(يستريح) عاش القائد.

العريف: حنون، إستاعد.

حنون: (يستعد) عاش البعث

العريف: حنون إلى الأمام سر

حنون:(يسير بطريقة المارش وهو ينشد) الله.. الوطن.. القائد.. الله.. الوطن.. القائد.. لا             الله حفظناه ولا وطنا حميناه ولا قائدنا خلعناه. يا لنا من حفنة كذابين.. الله..                     الوطن.. القائد..

العريف: حنون.. كل توقف.

حنون : (يتوقف)

العريف: جنبك سلاح

(حنون يلتفت باحثا عن أي سلاح ينفذ فيه الأوامر)

حنون: لا سلاح يا عريفي. لم يبق لنا إلا سلاحنا العاطل عن العمل.. الله يساعدج                       فضيلة.. (يضحك)

العريف: حنون.. بلا ضحك ولك، سأعاقبك.

حنون: تعاقبني يا عريفي. ترميني في حفرة الطين مثلا؟ كيف تجرأ عريفي، أنا خريج..               خريج عريفي. بكالوريوس ياالله.

العريف: بكالوريوس.. قبلك كان عندي جندي مصابا بالبواسير جعلته يجلس على الحصا                 الكبير الحار. بكالوريوس شنو؟

حنون: البكالوريوس يا عريفي شهادة وليس مرضا. أنا خريج ولكم أنا خريج

العريف: خريج مريج كله يشرب بالبريج. حنون إجلس.

(حنون يجلس على الأرض والعريف يسير حوله متبختراً بعصاه وهو يعلمه فنون الحرب)

العريف: سأعلمك يا حنون فنونَ الحرب.

حنون: وهل للحرب فنون يا عريفي؟

العريف: نعن يا حنون.. كي تنتصر.

حنون: هنالك منتصر واحد في الحرب يا عريفي. الموت.. الموت هو الذي ينتصر في                النهاية، يلوك أعمار الشباب ويشرب دمهم نخباً للخراب والزهور قطفت قبل                  الأوان ، المنتصر في الحرب يا عريفي سائق سيارة الأجرة، يدخل إلى الحي                   حاملاً نعشاً مغلفاً بالسيلوفين الوطني، أقصد العلم والأمهات يا حسرتي على                  الأمهات، كل واحدةٍ تنظر من نافذة الروح وتدعو أن لا تتوقف سيارة الأجرة أمام             باب بيتها، لا يهم أن تتوقف أمام باب بيت الجارة، أمام أيما بيت، إلا بيتي، المنتصر           في الحرب صانع النعوش، الدفان، الكل ينتصر في الحرب إلا الجندي، فأنه ورقة             وفاةٍ تمشي على رجلين.

العريف: عندما يباغتك العدو فتأكد من أنه سيقتلك، فإذا لم تقتله. سيقتلك.

حنون: هو مثلي، خلفه جنرال مهووس، يصيح به. دافع عن الوطن، يقصد.. دافع عن                 عرشي، ولد الكلب يضحكون علينا.

العريف: عليك يا حنون أن تموت في سبيل الوطن

حنون: لماذا لا أعيش من أجل الوطن؟

العريف: عليك أن تموت في سبيل الله

حنون: وهل يحتاج الله إلى موتي كي يعبد؟

العريف: حنون لسانك طويل

حنون: من كثر ما التصق بالبساطيل كي تلمع فترضى أنت وضابطك على إنضباطي.                 عريفي. خذني إلى الحرب.

العريف: (بلهجة آمرة) حنون إستاعد.

حنون: (يقف بالاستعداد) عاش البعث.

العريف: حنون، إلى الحرب سر..

(العريف يسير بطريقة عسكرية إلى أمام وحنون يسير خلفه بنفس الطريقة)

العريف: (ينشد) إحنا مشينا مشينا مشينا للحرب

عاشك يدافع من أجل محبوبته

حنون: كذب يا عريفي.. أنا خائف

العريف: محبوبته محبوبته

وإحنا مشينا للحرب

حنون: حبيبتي تركب سيارة الماليبو، سيأتي آمر وحدتي يدور بسيارة الضابط أمام                   الجامعات معلقاً سترته العسكرية عند المقعد الخلفي بارزاً رتبته العسكرية كي                 يغوي صاحبتي..

العريف: هذا العراقي العراقي العراقي

من يحب

يفنى ولا عايل يمس محبوبته محبوبته

وإحنا مشينا للحرب

حنون: محبوبتي لا تحب الجنود يا عريفي، إنهم مشاريع موتٍ مؤجلٍ. كفى.. كفى يا                  عريفي كفى..

(العريف يخرج من المسرح. حنون يعود إلى مكانه)

حنون: يا منكر.. يا نكير. هل أكمل لكما القصة. بعد الحرب صارت حرب أخرى.                       عمري لم يعد قادرا على تحمل إهانات العرفاء وإزدراء الضباط، قالوا لي أنت                 إكسباير، الحروب لا تعشق إلا الشباب. إبقى كالنساء في بيتك. صنعت عربتي هذه            بعدما علقت شهادتي على حائط المرحاض حتى إذا ما تغوطت، أتغوط بشرفها.                دفعت عربتي هذه ومعها أدفع كل إحباطاتي وكرامتي وما بقي من عمر إلى قارعة            الطريق. إنتهت الحرب، دخل علينا معلمون جدد.

(يدخل السياسي، إنه طبعاً نفسه المعلم والعريف لكنه هذه المرة يرتدي بدلةً أنيقةً وبيده صندوق إنتخابات)

حنون: هذه المرة المعلم لا يحمل عصا. بل صندوقاً شفافاً نضع بداخله ورقةَ الطاعة.

السياسي: مساءُك سعيد حنون

حنون: تبدو لطيفاً يا معلم. مساءُ الخير.

السياسي: هل تعرفني؟

حنون: تشبه الكثير من الذين مروا بحياتي. كانوا يحملون العصا.. في هذا إختلافك.

السياسي: أنا أحمل لك شيئاً آخرَ. إنه. إنه صندوق.

حنون: صندوق؟

السياسي:نعم.. صندوقاً مقفلاً وله فتحة من الأعلى.

حنون: أكره كلمة فتحة. إنها تذكرني بالبواسير. وعريفي يعاقب من معه البكالوريوس                  والبواسير. يا معلم، ماذا في هذا الصندوق؟

السياسي: لعبة.

حنون: لعبة؟

السياسي: نعم، لعبة، ألعبُها أنا وأنت

حنون: لعبة!! ما إسمها؟

السياسي:سمها ما شئت.

حنون: سمها ما شئت؟ لم أسمع بلعبة بهذا الأسم. سمها ما شئت.

السياسي: (يضحك) لهذا جئنا إليكم. أنتم جهلة.. سنقوم بتثقيفكم..

حنون: تثقيفنا؟ كيف؟

السياسي: بهذه اللعبة.

حنون: لعبة إسمها ما شئت؟

السياسي: (يضحك) نعم، سمها ما شئت.

حنون: ما قوانين هذه اللعبة؟

السياسي: إنها سهلة. أنت تضع في هذا الصندوق ورقة.

حنون: ورقة؟

السياسي: نعم ورقة. هكذا

(السياسي يخرج من جيبه ورقة يدسها في الصندوق)

حنون: نعم. ماذا يحدث بعدها؟

السياسي: أنا أحكم.

حنون: أنا أضع في الصندوق ورقة وأنت تحكم؟

السياسي: نعم

حنون: لماذا؟

السياسي: هكذا

حنون: لم أفهم؟

السياسي: أنا.. أمثلك

حنون: أين؟

السياسي: في البرلمان.

حنون: لماذا أنت؟

السياسي: لأني سياسي

حنون: وأنا حمار.

السياسي: تقريبا

(السياسي ينتبه إلى زلة لسانه)

السياسي: لا لا.. أنت مواطن.

حنون: وأنت؟

السياسي: أنا سياسي. سأعلمك.

حنون: إذا أنت معلم. لكنك لا تشبه معلمي الذي دفنوه في قبر جماعي ولا تشبه معلمي                 الثاني. العريف المسكين الذي إنتهى شهيداً. أنت تعلمني شيئاً آخرَ.

السياسي: نعم. أعلمك اللعبة. أنت تنتخبني لأني أصرح كثيراً في شاشات التلفزيون، أنا                   أتحدث في السياسة. سأعلمك الديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان وأنت                 تؤشر علي بهذه الورقة. وهكذا، أعمل على خدمتك.

حنون: وإن أخطأتَ؟

السياسي: سأسمح لك بالتظاهر في ساحة الفردوس أو ساحة التحرير. تقول كل ما تريد أن                تقوله. حتى لو تشتمني.

حنون: (بدهشة) معقول؟

السياسي: معقول جداً

حنون: إعطني ورقةً وقلماً.. أنت المعلم الذي كنت أبحث عنه طويلاً..

(السياسي يقدم ورقةً وقلمأً لحنون)

حنون: ما أسمك؟

السياسي: ما شئت.

(حنون يتذكر شيئا ما. يلتفت إلى عربته)

حنون: وهذه

السياسي: ما بها؟

حنون: لقد ورثتها من من كان قبلك..

السياسي: إنتهى عصر العربات. سأقايضها لك بسيارة.. شاحنة مبردة تبيع فيها                          الخضروات كما في أوروبا..

حنون: وبيتي؟ إنه إيجار..لا أريد أن أعيش في وطنٍ مؤجرٍ

السياسي: سأبني لك شقةً حديثةً. مية في مية، الف في الف، مليون في مليون. الغاز                    سيأتيك عبر الأنابيب كذلك النفط

حنون: سنشرب نفطاً إذا. نفطاً بدلاً من الماء؟

السياسي: نعم، سأجعل النفط يأتي إلى دارك كما يأتي الماء إليك وحتى الانترنت. سيأتي                 لعند دارك.

حنون: الانترنت؟ هل هو علاج للبواسير؟

السياسي: (يضحك) جهلة. أعرف هذا جهلة ولكن الذنبَ ليس ذنبُكم. إنه ذنبُ من كان قبلنا                 هيا يا حنون. أكتب أسمي.

حنون: (يكتب) ما.. شئت.. أنتخب السيد.. ما.. شئت.

السياسي: ضعها في الصندوق

حنون: (يضع الورقة في الصندوق) بدأت اللعبة.

(يدخل صوتُ صافرات سيارات الحماية وأصواتُ الحرس وهم يصرخون (بالك...بالك قندرة.. بالك)

حنون: ما هذا؟ ما هذه الأصوات؟

السياسي: هذا موكبي. وداعاً  حنون

(السياسي يخرج.. حنون يجلس مكانه)

حنون: ذهب ولم يعد. بقيت عربتي كما هي. وبيتي إزداد رطوبةً وإيجاره إرتفع.                      وصاحبي الذي أسمه ما شئت إختفى خلف جدرانٍ خضراءَ. قررت أن أمارس                  اللعبة إلى النهاية. ذهبت إلى ساحة الفردوس وصرخت بأعلى صوتي.

(حنون يرفع العلم العراقي ويقف في وسط المسرح ((ساحة الفردوس)) )

حنون: يا معلم.. يا سيدي.. يا سيد ما شئت.. أين أنت؟ (وأصوات صافرات الإنذار                    وأصوات عجلات مسرعة)

حنون: تعال. أريد أن.. أريد أن أسالك. أين شاحنتي المبردة؟ أين شقتي؟ لا أريد أن                   أشرب النفط. أريد القليل منه. أطفالي يلتحفون الصبر كي يتدفئوا. خذ النفط كله               وإعطني ما يكفيني للدفء..

(أصوات موكب السياسي)

حنون: يا سيد ما شئت. لقد وضعت عقداً معك في صندوقك، هل تذكر؟ لماذا لا ترد عليَ

(صوت إنفجار عبوة)

حنون: مات السيد ما شئت. إنفجرت في طريق موكبه عبوة، يقال إن ثروته تعادل ثروة              وطن، لا هو بقى ولا بقي الوطن. عن ماذا ستحاسباني يا سيدي منكر ونكير؟.

(تدخل فضيلة إلى المسرح. إنها أرملة مسكينة متشحة بالسواد وخلفها أولادها الأربعة بثياب مهلهلة. تجلس قرب فراش حنون وتبدأ بالنعي الحزين على زوجها الذي ذهب وتركها وحيدةً حائرةً بتربية أولادها)

(حنون ينظر إليها حزيناً)

فضيلة: حنون.. تعال ليّ حنون. طاحت رجليّ يا حنون، عليش رحت وعفتني خوية؟ ما              كلت لروحك فضيلة وجهالها إلمن يظلون. اليوم رحت مدري وين. وشفت                      مسعول أسمه.. أظن ما شئت. إي.. هم يسموه أستاذ ما شئت. كلت له أستاذ. آنه مرة         حنون. وحنون طول عمره يدفع عربانة ويبيع بيها مخضر للشعب. حنون جان                خادم للشعب.  يوكل الشعب. يجيب الأكل للشعب.. كالي. حنون معدوم؟ كلت إي.                من يوم جابته أمه وهو معدوم

حنون: ماذا قال لك؟

فضيلة: كالي شوفيني صورته. طلعت له صورتك يا بعد أهلي. كالي إي.. هذا أعرفه.                   هذا صاحبي.

حنون: (بفرح) ثم؟

فضيلة: أنا كلت ويا روحي. حنون أبو العرك منين يعرف هذا الزلمة. هذا مسعول                      وحنون بياع خضرة..

حنون: لا يا حبيبتي. إنه يعرفني بيننا إتفاق.

فضيلة: كلت يا الله. يجوز ما شئت مشبه بحنون. كلت إنفرجت. كالي المسعول إنتظري.               وإنتظرت ساعة ساعتين ثلاث. الدوام إنتهى الموظفين راحوا لأهلهم. وما شئت ما            بين. سألني شرطي يحرس بالبناية الخضرة. كالي شرايدة أنت؟ كلت له الأستاذ.               كالي الأستاذ عدموه.. يمه.. عدموه. خاله هسه شفته. كالي خايبة الأستاذ وأبو                الأستاذ وأخو الأستاذ عدموهم. راحوا.. كلت له لا.. هسه.. هسه شفت الأستاذ..               يسموه ما شئت. ضحك الحارس. كال ها.. الحجي.. كلت أسمه ما شئت. كال إي              حجي ما شئت. شرايدة منه؟ كلت له عود بلكت ينطيني مال الضمان الإجتماعي. أنا           عندي أيتام وحنون زوجي مناضل. باع مخضر وما تلوك وباع ضميره. كال خوش.           يا مرة حنون ليش ما تروحين لبيتج. كلت له عليش خويه. كالي هو الحجي ليهسه           يأخذ راتب ضمان إجتماعي من أوروبا تريديه ينطي راتب إلج. روحي. الحجي طلع           من باب الوزارة الخلفي

حنون: لقد مات السيد ما شئت يا روحي.

فضيلة: أنا هم. خليت وجيت يا حنون. تعال لي خويه.. تعال لي وكلي.. شلون أعيٍِِش                   هالفروخ؟!

(تبدأ فضيلة بالنعي والبكاء من جديد.. حنون هو الآخر يبكي من جديد.. يدخل شبح شاب أسمر.. إنه التونسي محمد بو عزيزي)

عزيزي: مرحبا..

حنون: مرحبا..

عزيزي: السيد حنون؟

حنون: من أنت؟ أظن إني أعرفك

عزيزي: العالم كله يعرفني. ألم تشاهدني على شاشة التلفزيون؟

حنون: للأسف أنا لا أشاهد إلا نشرات الأخبار. إنها.. إنها مزتي المفضلة. هل سمعت                 بأحمق مثلي يشرب العرق ومزته نشرات الأخبار؟

عزيزي: هذا غريب حقا. كان الناس يسكرون على صوت أم كلثوم أو عبد الوهاب.. أو..               عليا.. هل تعرف عليا؟

حنون: تلك التي تغني علي جرى

عزيزي: نعم.. أنا من موطنها.. أنا تونسي.

حنون: نعم نعم.. أنت.. أنت من حرق نفسه كي...

عزيزي: نعم نعم..

حنون: شاهدتك في مزتي.. أقصد نشرات الأخبار.

عزيزي: تعجبني خياراتك. أي مزة تفضل؟

حنون: أحيانا الجزيرة.. صحن جزيرة يكفي نصف زجاجة عرق. لكنها أحيانا تصبح بلا               ملح فأغيرها بصحن حرة.. الحرة جيدة ولكنها مليئة بالدهن وأنا عندي زيادة في               الكوليسترول فأغيرها بالعربية. تكون العربية أحيانا... ليس دائما.. باردة وبلا                   طعم. فالجأ إلى العراقية (يضحك)

عزيزي: لماذا تضحك؟

حنون: العراقية فطيرة..

عزيزي: فطيرة؟ تقصد رغيف خبز؟

حنون: (بألم) أردنا العراق رغيف خبز. أعطونا رغيفا معجونا بالدم وما بقي من شباب               تناثروا على قارعة الطريق باسم الجهاد والشعارات المزيفة.

عزيزي: كيف حال العراق اليوم؟ أنا قلق عليه. أخشى أن تصبح تونس مثله.

حنون: العراق يا صديقي صار ما شئت.

عزيزي: ماذا؟

حنون: قل عنه ما شئت وسأقول لك صدقت. كل الذي أعرفه كان عندي عربة أبيع فيها                الخضار. واليوم عندي عربة ولكن لا أحد يدفعها.

عزيزي: أنا أيضا كان عندي عربة أبيع فيها الخضار

حنون: أعرف

عزيزي: ومعي شهادة.

حنون: وأنا أيضا

عزيزي: وصفعتني شرطية لأنهم صادروا عربتي.

حنون: إذهب إلى ساحة الفردوس في تونس وإصرخ وطالب بعربتك. هذه هي قواعد                   اللعبة.

عزيزي: لو صرخت عمرا كاملا لا أحد يكترث لك . فقط.. سيقولون بلدك ديمقراطي                     يسمح لك بالصراخ.

حنون: هذه هي قواعد لعبة ما شئت.. السيد ما شئت يسرق. ويقفل دونك الأبواب الخضراء وأنت. إلك أن تصرخ العمر كله.

عزيزي: لهذا السبب حرقت نفسي. كنت أريد أن أحول الصرخة إلى ثورة.

حنون: وشحصلت يا مصخم؟

عزيزي: عفوا. لم أفهم

حنون: ماذا تريد يا سيدي؟

عزيزي: بلغني إن شاباً من العراق أراد أن يحرق نفسه ومات بتوقف القلب وجئت كي أتعرف عليه

حنون: لم أكن أريد أن أحرق نفسي من أجل وطني. بل لأني شعرت بنفسي كومة نفاية               بداخلها دورة دموية تحرك الدم في هذه الكومة بأوامر سلطانية فقررت أن أحرق نفسي كي أخلص العالم من رائحة قهري. وبيني وبينك. كنت سكرانا. لو كنت عل قيد الوعي، لإنزويت في بيتي مثل عمري كله منتظراً خلاصي وخلاص أيامي.

عزيزي: للأسف . كنت أعتقد إنك مثلي. ثائر.

حنون: ثرت عمراً كاملاً.. كانت النتيجة صبراً وإخفاقاً وبيتاً مؤجراً.

عزيزي: كان عليك إذاً أن تحرقَ نفسَك منذ أن جئت إلى الدنيا.

حنون: صحيح. معك حق.. لكنهم.. حتى من حرقٍ أنفسنا كانوا يمنعوننا..

عزيزي: واليوم؟

حنون: لا تجد النفط الذي تحرق به نفسك، وإن وجدته ومت حرقا كما فعلت أنت، فلا                  أحد سيسمع الى نشيج روحك المعذبة وسط أكوام الأرواح الصاعدة إلى السماء               يوميا.. محترقةً أو مقطعةً كان كل ذنبها إنها كانت على قارعة الطريق تبحث عن             لقمةَ عيشٍ.

عزيزي: وزوجتك؟ وأطفالك؟

حنون: مثل كل الأرواح هناك. ينتظرون تواجدهم على قارعة طريق خطأ. في لحظة                 خطأ.

عزيزي: وبن عليكم؟

حنون: لدينا الف بن علي. ينهشون ما تبقى من وطن.. إلا إبن علي واحد. منذ الف                   وأكثر من السنين ينزف على أرض هذا الوطن والناس هنا يبكوه.. لا شيء غير             البكاء يا صاحبي.. لا شيئ هنا غير البكاء.. وأخشى أن أن يقسموا البكاءَ حصصاً             حصصاً كي تستقيمَ اللعبةُ وتصلَ إلى النهاية. بو عزيزي. خذني معك..

عزيزي: أين؟

حنون: لا أدري.. أي مكان؟.. خذني.. خذني إلى ما شئت.

عزيزي: تعال..

(بو عزيزي يسحب حنون بيده. حنون يبقى ينظر الى زوجته وأطفاله)

حنون: يا فضيلة.. لا توقفي صريرَ العربة.

(فضيلة وكأنها سمعت صوتَ حنون. حنون وبو عزيزي يخرجان من المسرح، فضيلة تقف. تلف عباءَتها إلى وسطها بعد أن تُثبتَها بحزامٍ من القماش. تمسكُ العربةَ تدفعها فوقَ خشبة المسرح. نسمع صوت صرير العربة من جديد)

فضيلة: (تنادي) هاي الخضرة هاي الخضرة.. خضروات.. خضروات.. وين راحن                     الحلوات.. خضروات خضروات

(الأطفال يقفون قرب فراش والدهم. يرفعون أيديهم)

الأطفال؛ خضروات خضروات وين راحن الحلوات خضروات خضروات..

(صرير عبوة ناسفة. يظلم المسرح. يستمر صرير العربة)





ستار


هناك تعليقان (2):

  1. فيها المضحك المبكي
    سلم قلم افكارك ايها المالكي حامد
    وسوف يكون لي مقعدا في اللاين الاخير من هذه المسرحيه

    ردحذف
  2. هل تم رفض من قبل الأقارب بسبب المشاكل المالية التي تتعامل؟ هل تحتاج إلى المال لإكمال تعليمك ولا أعرف حقا كيفية التوجه نحو ذلك، لماذا لا نفكر عن كثب والنظر في بيع الكلى واحدة لتحقيق هدفك في الحياة. وأنا أفهم زرع الكلى هو غير قانوني في الهند ولكن نظرا لمرضانا الذين يواجهون عمر من مشكلة غسيل الكلى إلا أنها تخضع لعملية زرع الكلى في الحكومة لدينا وافق مستشفى مسجل يحتاج المتبرعين بالكلى فقط في
    مطلوبة الهند ومع بطاقة هوية صالحة كقضية عاجلة للمساعدة في إنقاذ 3 الأسر التي تحتاج إلى زراعة الكلى، وسوف يكافأ
    رائع. اتصل بنا على + 91-7760020981 أو زيارة موقعنا على الانترنت، davegrayhospital.weebly.com - البريد الإلكتروني: davegrayhospital1@gmail.com ~ حفظ الحياة الكريمة لماذا لا تساعد قريبك كنفسك، يكون التغيير مساعدة آمنة هذا يعيش ~ الله يبارك لكم جميعا. .

    الدكتور جلال ياسر
    davegrayhospital1@gmail.com
    + 91-7760020981
    davegrayhospital.weebly.com

    ردحذف