الثلاثاء، 30 أغسطس، 2011

مزايا المخفي والمعلن في مسلسل ( أبو طبر) - سطوة الغموض الخلاب -



                                          
حسن عبدالحميد

Hasanhamid2000@yahoo.com


  ( أن من المؤكد ،، ليس هنالك شيئ مؤكد )... وفق هذا الاستهلال (الهيجلي) تنضوي الكثير من مقترحات النظر الى طبيعة العلاقات القائمة ما بين سلوكيات الانسان وما بين العالم والمحيط الذي يحيا فيه ويتفاعل عبر كل مراحل حياته ،، وأن يكن للطفولة - هذة المرحلة الحرجة من عمرالانسان- تأثيرها الطاغي وأثر أعتبارها الركن الأساسي وحجر الزاوية في معمار ما ستكون عليه الشخصية بواقع مستقبلها ،، وانها (اي الطفولة) تبقى كالقنديل يضيىء في بيت اللاشعور الى الأبد كما يذهب الى ذلك (باشلار) ،أذن هي أمتداد خفي لمجمل وقائع ما سيواجهنا على طول الحياة وعرضها . 





  على جانب آخر لا يمكن- في أحايين كثيرة- فصل أو أستثناء الدراما كمعادل موضوعي عن الحياة بكامل عناصرها و ملاكاتها المعرفية بأعتبارها سياق منهجي وتأريخي قد يتيح للكاتب وصانع النص مقترحات نفسية وحسية تضاعف من قوة الحدث والتأثير في نهج بناء عالمه الدرامي (واقعا ومقترحا) عبر تناسل وتواشج ابداعي يعي مهام وضع آليات حذف وأمتدادات اضافة تغذي وتساند من تفاعل قيمة ذلك الصراع الذي تبغيه (ثيمة) عمله وصولا الى جوهر ما يريد قوله الكاتب أوالمؤلف بمعنى أن (الحدث ليس كما هو،، بل كيف يجب ان يكون عليه).

  من بوابة هذا الاجتراح وقبس ضوء مقولة (هيجل) تلك نشد أزرعزمنا تمهيدا لأقتفاء أثر المخفي وتتبع مهارات خيوط  المعلن بغية نسجها مرهونا بنسبة ذكاء عالية ودهاء ايجابي مشفوع بمراس نوعي برع في نحت ملحمة أجتماعية/ سياسية حملت عنوان (أبو طبر) تماهت في أتون قصة حقيقية أستنارت بسيناريو محكم وحوارتلقائي بليغ ومدهش للكاتب الكبير (حامد المالكي) عبر تطويع حاصل جمع عناصر / الاثارة / الشد/ /الايقاع / والاقناع وغيرها من متممات فرض الانتباه القسري  باستثارة الدهشة التي يرى فيها أحد الروائيين العالميين على أنها ( توتر حيوي) فضلا عن اعتماد الكاتب لمسالك البحث ودراسة الوثيقة في محيطها  ومجتمعها وزمنها مقرونا بذلك النوع من الاجتهاد وقدرة التأويل التي يجب توافرها لمن يجرؤ على خوض تجربة تحويل مآثر جرائم (أبو طبر) الى عمل درامي ورصين مدهش كما فعل (المالكي) و(سامي الجنادي) الذي تبنى مهام اخراج هذا العمل  السياسي- الاجتماعي – بردائه البوليسي الخاص والتي قامت بانتاجه قناة البغدادية وتميزت بعرضه المدهش هذا العام ضمن سلة أعمالها الدرامية لشهر رمضان .


 تتسق مكملات منجزهذا العمل الابداعي الضخم (تأليفا وأخراجا وتمثيلا) بأستنارات النص ومتانته الذهنية وأستغراقاته السياسية القادرة على تطويع مدياته نحو غايات ومرامي أبعاد لخصت طموحات مؤلفه الكفء وتفهم مخرجه السوري(سامي الجنادي) المثابر الحريص دوره في توريد أفعال وأفكارومسميات  لأناس يعيشون في قاع الحياة وغيرهم في الأعالي هم مصفوفات لنماذج مجتمع وشعب كامل توارد ضمن منظومات آجرائية- درامية كانت تكاد ان تكون في مصاف (التابوات) المحرمات حتى لوقت قريب من تأريخ الاحتلال الامريكي للعراق ، دفع بها المؤلف بروح عناد واع لتكون في مواجهة جادة وواقعية عبر ثقة أتقان أختيارممثلين كانوا كبارا ورائعين في تقديس تجسيد أدوارهم بكل هذا الصدق الحاني والثقة الخالصة والمخلصة والأجتهاد في دراسة فهم طبيعة مفردات ومجريات حيز ذلك الزمن بشخصياته وأحواله وظروفه وتحولاته التي دارت على راهن واقعها ذاك كل تلك الاحداث .
يأتي تفعيل دورالجوانب الفنية – في هكذا نوع من الاعمال - لصالح كسب النجاح بالاتقان والجودة ثم باقي طاقم تحقيق ما تريد وتسعى اليه ، كما نجح وأفلح مسلسل (أبو طبر) في أن يقف بزهو دراية وأعتداد خاص على منصة أهم وأفخم وأعمق ما انتجته الدراما العراقية - على الأطلاق - في مجمل نواتج ما قدمت عبر تأريخها الفني الطويل نسبيا ، بسبب ما حفل به من مزايا تعبير حاذق ومهارة صنعة وسمات اخلاص نادر لم يعد يتحقق كثيرا في جداول أنتاج الدراما المحلية عندنا الآن ، بل، منذ فترة لاسباب نعرفها جيدا و لانريد الوقوف عندها ،هنا، أذ تمثلت نزعات الاخلاص في هذا العمل بنصوع جرأة المؤلف بقبوله الأنجرار- طواعية – ودخوله حقل الغام لعبة شائكة ومعقدة ، لكنها بدت مغرية لمغامر مجيد مثل (حامد) أستطاع مد أصابعه في مواقد جمرات ظاهرة (أبو طبر) ونجح في مسك تلابيب موضوع ملتبس كثيرا ما غزلت على منواله خيوط الشك والخوف والغموض أبان توالي حدوثه في سبعينيات القرن العشرين- تحديدا - منذ أكثر من ثلاثة عقود ونصف شهدت فيه حياتنا الاجتماعية والسياسية مشاهد مروعة ومستمرة كانت بمثابة التمهيد لما سمي -لاحقا- باسم (عراق ... دولة المنظمة السرية) عبر سلسلة جرائم فضيعة ومنظمة أفزعت وأرقت شعبا كاملا عبدت الطريق لاحداث وظروف أخذت بالبلاد والعباد الى منزلقات وكوارث لم نزل نئن تحت وطأة ثقلها و نواتج حماقات مشعلو حرائقها الى الآن ،، فيما تتوج البلاغة الدرامية عناوين بحثها ونصاعة وعيها بجد وأجتهاد بمن يجيد لغة العزف على مرحلة مضت من عمر العراق وأضحت نسيا منسيا لعدد كبير من الاجيال اللاحقة الموجودة كي يفتح مغاليقها و يغرف منها مادة درامية راسخة أضاءات لنا وللاجيال الحالية خبايا ودهاليز السياسة الماكرة وشراهة السلطة ووحشيتها وآليات تفكيرها والتشبث بالبقاء حتى ولو بأ تباع أخس الوسائل والسبل في طرق ترويج الجريمة وبث مكامن الرعب و نوازع أرهاب الناس من أجل تمرير الكثيرمن القضايا والمواقف عبرتصفية حسابات واقصاء خصوم وتحقيق أهداف دنيئة أتكأت على غايات أكثر دنأة بتعدد وجوه وممارسات أتضحت معالمها وتعمقت في مرآيا (حامد المالكي) ومسلسله الأثير(أبو طبر) الذي لخص ببراعة وحنكة مهد له بنوع متقن وشديد التأثير من ذلك الغموض الخلاب والمغري في شد المشاهد بفضح المخفي من ما كان يحاك في جنح ظلام ذلك النظام السياسي وأخفاء المعلن أو المتوقع بسبل ضخ مهابة الغموض الذي يسبر اللحظات والنوايا بشيىء من السحر والبريق الذي يكتنف أجواء أخفاءات الجريمة وبما يتعلق - أحيانا - بموضوع الجنس والمعتقدات والأستحواذ على أهتمام المشاهد من خلال تخطيط و رسم سلوكيات ودواخل لشخصيات تمتلك أبعادا درامية تجتهد بكثافة التعبير كما لمسنا ذلك في الجهد المضني والبارع للممثل الرائع (كاظم القريشي) الذي ترجم أفعال وأحاسيس شخصية أبو طبرعلى نحو بالغ الأثر والتلوين الداخلي لشخص سفاح تنوعت مشاعره وتناقضت تبعا لحالته النفسية وكيف أحيكت حوله الحكايا والأقاويل التي جعلت منه أسطورة دموية أقترفت أبشع واشنع الجرائم لتنال الشهرة تحت هاجس فضح مكر السياسة في تطويع أو أستثمار مثل هذة الممارسات لتمرير ما يدور في ثنايا وعقل السلطة كما أشرنا وكما أدار(حامد المالكي) مقود ملكات موهبته الكبيرة أزاء ماحدث ويحدث حين أجاد وأفلح في نبش ملفات وأوراق حارة وساخنة تستدعي التوقف والتأمل والبحث والكشف عنها دراميا عبر سيل مبهر من أعمال أتحفنا بها - من قبل- مضيفا بعد شاخصا في سجل الدراما لكنه في عمله المثير (أبو طبر) عمق أبعادا أخرى في نواحي أدق وأمهر في تثمين قدراته التأويلية وأراءه التحليلية واستمكانه الرصدي لادق تفاصيل مرحلة ظهور تلك الظاهرة المريبة القابلة لعدة قراءات من خلال رسم أدق دقائق المشهد على ورق الكتابة حرصا أضافيا لقيمة المسعى النبيل في تقديم صور واضحة نقية للمخرج السوري حول واقع ومفردات البيئة المحلية والطبيعة التي شهدت صراعات تلك المرحلة المهمة في تحول العراق الى ما آل اليه بعد تلك الظروف التي عالجها (حامد المالكي) بحس نقدي أضافي وليس مجرد نقلا حرفيا أو تنظيريا ضمنيا لأملاءات ذلك النوع من الكتابة الروتينية الذي عهدناه في الكثير من الاعمال التي لا تلامس سطح الاحداث والقضايا الا لمسا عاما وعابرا دون حفر وظفر وصبر وبحث وتدقيق وأختيار يضع مبضع كاتب النص الدرامي على جسد الموضوع ليكتشف أسباب العلل وأماكن الجروح كما فعل مبضع (حامد المالكي) على جسد ظاهرة (أبو طبر)

هناك تعليق واحد:

  1. اخي الكاتب والصحفي المتألق الاستاذ حسن عبد الحميد، اشكر سعة افقك وحسن نظرك وانت تكتشف هذا الغموض الذي اسميته خلابا

    ردحذف